مقالات

تصحيح المفاهيم ..مسيرات الدعاء لرفع الوباء

بقلم:أ.د إسماعيل عبد الرحمن رئيس فرع المنظمه بدمياط

خرج بالأمس القريب جمع من الناس ببعض المحافظات في مسيرات يكبرون ويهللون ويدعون الله جل وعلا لرفع الوباء ظنا منهم أن ذلك الأمر هو الواجب وهو الطريق الأمثل لرفع الوباء ، وأنه ينبغي علينا جميعا أن نجتمع في الشوارع ونفعل كما يفعلون ، وأن نصلي الصلوات جماعة في الطرقات .

 

ولا أجد ردا على هؤلاء أبلغ من رد الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله حيث قال منذ مئات السنين :
((فليس الدعاءُ برفعِ الوباءِ ممنوعاً ولامصادماً للمقدور من حيث هو أصلاً، وإنما الاجتماعُ له كما في الاستسقاءِ فبدعةٌ حدثت في الطاعون الكبير (سنة٧٤٩) بدمشق.
فقد قرأت في:(جزء المنبجي)، بعد إنكاره على جمع الناس في موضع، قال: فصاروا يدعون ويصرخون صراخاً عالياً، وذلك في (سنة ٧٦٤) لمّا وقع الطاعون بدمشق، فَذَكَرَ أنَّ ذلك حدث (سنة ٧٤٩) وخرج الناس إلى الصحراء ومعظمُ أكابرِ البلدِ فدعوا واستغاثوا، فعَظُمَ الطاعونُ بعد ذلك وكَثُرَ وكان قبلَ دعائِهم أخفُّ!!
قُلْتُ: الحديث لإبن حجر؛ ووقع هذا في زماننا حين وقع أوَّلُ الطاعونِ بالقاهرة في (٢٧ من شهر ربيع الآخَر ، سنة ٨٣٣)، فكان عددُ من يموتُ بها دون الأربعين، فخرجوا إلى الصحراء في (٤ جمادى الأولى) بعد أن نودي فيهم بصيام ثلاثة أيامٍ كما في الاستسقاء، واجتمعوا ودعوا وأقاموا ساعةً ثم رجعوا، فما انسلخ الشهر حتى صار عددُ من يموت في كل يومٍ بالقاهرة فوق الألف ثم تزايد !!
إلى أن قال أنه لو كان مشروعاً فِعلُهم ماخفيَ على السلف ثم على فقهاء الأمصار وأتباعِهم في الأعصارِ الماضية، فلمْ يبلغْنا في ذلك خبرٌ ولا أثرٌ عن المحدِّثين، ولا فرعٌ مسطورٌ عن أحدٍ من الفقهاء
( المصدر : بذل الماعون في فضل الطاعون لابن حجر العسقلاني )
والعجيب أنه بعد خروج الناس للتضرع والدعاء ازداد عدد المرضى ولم يقل أو يندثر ، وانتشر بصورة كبيرة بينهم ، بسبب جهل الناس واختتلاطهم .
وعليه فإنه يتبين لكل ذي عقل ولب أن الاجتماع والتجمع في زمن الأوبئة والتي تنتقل من الأفراد إلى بعضهم البعض غير مشروع حتى ولو كان للصلاة أو الدعاء ، إذ أن الضرر المترتب على ذلك عظيم ، وفيه هلاك للأنفس . وكلاهما منهي عنه فقال تعالى : ” ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة ” ، وقال تعالي : ” ولا تقتلوا أنفسكم ” . وقال صلى الله عليه وسلم :” لاضرر ولا ضرار ” .
ولذا فإن المنهج الشرعي القويم في التعامل مع الأوبئة والطاعون هو التوبة والاستغفار والتضرع الى الله تعالي بالدعاء برفع البلاء والأخذ بالأسباب والتحصن ضد البلاء ومنها عدم التجمع ورفع الاصوات في الشوارع كما فعل البعض متوهمين أنهم الأصوب وقد بين ابن حجر رحمه الله عدم مشروعية هذه الأفعال.
وعلينا جميعا أن نستمع في أمور ديننا لأهل التخصص والجهات الرسمية في الدولة من اهل العلم والفتوى وأن نأخذ منهم وعنهم ، ولا نسمح لأنفسنا بإتباع من جهلوا مقاصد الشريعة الغراء ومنها حفظ النفس وأمثال هذه التجمعات في زمن الأوبئة من مفاتيح هلاكها نسأل الله جل وعلا أن يرفع الوباء والبلاء عن العباد والبلاد .

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.