مقالات

أسباب الغلو والتطرف

أسباب الغلو والتطرف أسباب الغلو والتطرف
الأستاذ الدكتور /عبد الرحمن المراكبى
وكيل كلية أصول الدين بالمنوفية ورئيس قسم العقيدة والفلسفة سابقا

جاء الاسلام في اصوله وركائزه الثابتة في نصوص محكمة لاتقبل صرفا ولا تأويلاً ولا جدلاً ولا مراءً.
وجاء في غير هذه الأصول الثابتة في نصوص محتملة : تقبل الرأي والرأي الأخر ، او في غير نص مطلقاً ، ليحفز العقل المسلم علي الاجتهاد بشأنها.
ولوشاء الله تعالي لجعل الدين كله وجها واحداً ، لا اختلاف عليه ، ولا اجتهاد فيه ، ولكنه برحمته ترك الباب واسعا للناس في غير هذه العقائد والأصول لِحِكِم إلهية منها :

1-التيسير عليهم ، ورفع العنت والضيق والحرج عنهم .
2-حفز عقولهم الي البحث فيها والاجتهاد حولها .
3-تحقيق صلاحية الإسلام وامتداده في الزمان والمكان حتي يساير ركب الحياه ويواكب سير التقدم والتطور .

وفي هذا المجال الاخر :كان اجتهاد العلماء وكانت ابحاثهم ومحاولاتهم الجادة في سبيل الوصول الي مايحقق مصالح الناس في ضوء اهداف الاسلام ومقاصد الدين .
وتوجه الرعيل الاول من سلف هذه الامه – في هذا المجال – او بتوجيه الاسلام الي البحث والدرس والاجتهاد وكانوا في طلب الحق ونشدانه كناشد ضالة ، يسعون جميعا متعاونين في طلبها ويغذون السير متأخين في سبيل الوصول اليها ، وكل منهم يري في صاحبه معوانا علي الحق ورفيقا له في طلبه ، فلم يعب احد منهم رأي احد ، ولم يسفه واحد منهم فكر غيره ، فضلا عن ان يتهمه بالمروق من الدين ، او الخروج عليه ..بل كان يعذر بعضهم بعضا فيما اختلفوا فيه ، او فيما تشابه عليهم . وكانت روح التسامح تجلل حياتهم ، واصرة الاخوة والمحبة تربط مابين قلوبهم ، والتعاون علي الحق سيلهم والوصول اليه غايتهم وهدفهم .

فكانوا بهذا الادب الاسلامي ، وبهذه الروح السامية والسمحة اقرب الي روح الاسلام ومقاصد الدين ، واحرص الناس علي وحدة الامة واوصلهم لرحم الاسلام ..وعصمهم الله بهذا من التخاصم والتحاسد والجدل والمراء ، والعصيبة والاهواء ، وبارك علمهم وعملهم ، ونفع بهم وبأثارهم ..
وكانت مجالس العلم – كما يقول الاستاذ الشيخ محمد عبده – في المنقول والمعقول : من التفسيير والحديث ، والققه ، واللغة ، والكلام ، والتصوف وغيرها متجاورة متعاونة ، وكان طالب العلم يغشى هذه المجالس جميعا ، لايري في ذلك باساً ولا حرجا فيعب منها جميعا ، وينتفع بها ، ويستفيد من علمائها .

كان الامام “مالك بن انس” إمام اهل المدينة ، وشيخ السنة يجلس بين يدي الامام الصادق “جعفر بن محمد” – الذى تعتبره الشيعية الإمامية أحد أئمتها – يتلقي عنه العلم ، ويغشي معه حلقات الدرس .
وكان الامام “ابو حنيفة النعمان ” يجلس الي الامام “زيد بن علي” راس الشيعة الزيدية وامامها ، يأخذ عنه ويتتلمذ عليه .
وكان هذا الاخير “زيد بن علي ” يجلس الي واصل بن عطاء رأس المعتزلة ، وكان زيد يجله ويحترمه ، ويقدر علمه ، ويعرف له مكانته ، رغم موقفه علي الحياد بين “علي” “ومعاوية”.

وكان واصل بن عطاء هذا ، و”عمرو بن عبيد” شيخا المعتزلة يجلسان بين يدي “الحسن البصري” امام اهل السنة من التابعين ياخذان عنه ، ويتلقيان العلم علي يديه.
وقد سئل “الحسن” يوما عن “عمر بن عبيد” فقال لسائله : لقد سألت عن رجل كأن الملائكة ادبته ، وكان الانبياء ربته ، إن قام بأمر قَعَد به ، وان قعد بأمر قام به ، وان امر بشئ كان الزم الناس له ، وان نهي عن شئ كان أترك الناس له ، مارايت ظاهر اشبه بباطن ، ولا باطناً اشبه بظاهرمنه .

وكان الامام البخاري حافظ السنة وشيخها يجلس بين يدي “عمران بن حطان” الخارجي يأخذ عنه الحديث ويسمع منه .. كان هذا هو شأن الرعيل الاول من علماء هذه الامة وسلفها ، كانوا اوسع افقا ، وارحب صدرا ، واكثر تسامحا واقرب الي روح الاسلام ومقاصد الدين .
ثم خلف من بعدهم خلف تنكبوا طريق سلفهم حين تعصبوا لارائهم ، وقدسوا فكرهم ، وانتصرو لمذاهبهم وغالو في الطعن علي غيرهم ، وتسفيه ارائهم ..ومن ثم تشعبت بهم الطرق ، وانعرجت بهم المسالك ، وتباعدت بينهم الغايات والمقاصد ، وبلغ بهم الامر الي ان اكفر بعضهم بعضا ، وزعمت كل فرقة : الاسلام لنفسها دون غيرها ، وانها المتمسكة بالكتاب والسنة : نصا ، او فهما ، او تأويلا ، وانها الفرقة الناجية ، وأن الباقين هلكي !

أسباب التطرف والغلو :

أما عن أسباب هذه الاحكام الجائرة بالتكفير والتفسيق والتبديع ، وما ترتب علي ذلك من غلو في الفكر ، وغلو في السلوك والتطبيق ، بل وارهاب وترهيب ، وتخريب وتدمير من بعض هؤلاء ، فهي كثيرة متنوعة : يعود بعضها اليهم ، ويعود بعضها الي اسباب محيطة بهم ، منها هو خارجي ، ومنها ماهو داخلي :
اما الأسباب الأولي فمنها:

1-الجهل بالدين ، وعدم فهم النصوص الدينية فهما صحيحا ، والبناء علي جهلهم بناء خاطئا بعيدا عن حقائق الإسلام ومقاصد الدين ، وسوف نعرض لشئ من ذلك عند حديثنا عن الحقائق التي يجب ان تفهم ، والمفاهيم التي يجب ان تصحح .
2-التعصب المقيت للراي ، او الشخص ، او المذهب ، وتقديس الراي الواحد ، وعدم الاعتداد بالرائ الأخر مهما وضحت أدلته ، ومهما كانت حجته .
3-طلب الزعامة في الدين ، والاستعلاء علي الاخرين ، وسوء الظن بهم ، وتسفيه ارائهم ، واتهامهم في دينهم .
4-الغلو في التحريم ، والتنطع في الدين ، والتضييق علي المسلمين دون ما حجة او دليل .
5-تتبع المتشابهات وإغفال المحكمات ، والاشتغال بالفروع والجزئيات ، واثارة الجدل والخلاف حولها .وترك قضايا الامة الكبرى دون اهتمام .
6-البطالة والفقر بالنسبة لبعض الشباب والارتماء في احضان الارهاب الذي يغدق علي اتباعه الارزاق والاموال .

اما الاسباب الخارجية فمنها :

1-افتئات الغرب علي الاسلام ، ورسوله ، وكتابه ، والتشهير به ، وتنفير الناس منه ، وابعادهم عنه والاستهجان له والاستهزاء به ، وتجديد الحملات الظالمة عليه.
2-التشهير بالمسلمين الذين يقاومون الظلم الواقع بهم ، واظهارهم بمظهر العداء للحرية والديمقراطية واتهامهم بالوحشية والهمجية والبربرية والارهاب .
3-الغارة علي العالم الاسلامي في حروب طاغية وظالمة بذرائع واهية ، بل كاذبة كما نجد في العراق وافغانستان والسودان والصومال …وغيرها.
4-التحالف مع الصهيونية الغاشمة التي احتلت ارضا ، وشردت شعبا ، وانتهكت الحقوق والحرمات والمقدسات ، وامدادها بالسلاح والاموال ضد شعب اعزل لاحول له ولا قوة ، بل ضد العالم الاسلامي اجمع .
5-الضغط علي المسلمين في مجالات السياسية والاقتصاد والحرب والاعلام والثقافة وغيرها .
6-حركات التنصير التي تجوب العالم الاسلامي وغيره وهي تغري الناس بالخدمات والاموال في مقابل تنفيرهم ، وابعادهم عن دينهم.
ومعظم هذه الاعمال والحملات ممنهجة ومرتبة بحيث يتم التخطيط لها ، والتنسيق فيما بينها ، والتعاون علي تنفيذها ..

أما الأسباب الداخلية فمنها- كما يراها هؤلاء:

1-الفساد المستشري في بعض البلاد العربية والاسلامية في كثير جوانب الحياة الاقتصادية ، والسياسية ، والاجتماعية
2-عدم تطبيق الشريعة الاسلامية والاحتكام الي غير ما انزل الله من القوانين البشرية الوضعية.
3-وجود التيارات المشبوهة وظهورها ظهورا طاغيا في وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة ، وفي المجالس النيابية في الوقت الذي يحرم فيه هؤلاء حتي من حقوقهم المدنية.
4-الإعلام الذي يروج لأفكار العلمانيين ويشيد بفكرهم وارآئهم , فى الوقت الذى يتهم فيه الإسلاميين بالسلفية والأصولية ، والتخلف والرجعية …الخ
5-القهر وعدم حرية الرأي والفكر ، وعدم وجود متنفس للشباب ليعبر عن ارائه بحرية وتلقائية .
6-تعنت بعض الحكومات وموقفها منهم موقف العدو المضطهد لهم ، والمناهض لحركاتهم ، والمصادر لحرياتهم ، بل والمستعدي لغيرهم عليهم, دون محاولة الاقتراب منهم , ومعرفة ما يدور بأذهانهم .

ولكن هذه الأسباب ..وان وضحت – فليست مبررا – في نظرنا – للافتراء علي الدين والخروج علي سماحته ومبادئه ، وليست مسوغا لإظهار الدين بهذه الصور المشوهة ، وتصوير المسلمين بهذه الصورة المنفرة حتي اضحي الاسلام في نظر غير المسلمين دين عنف وارهاب .
وليست مبررا لاتهام علماء الامة بالكفر والتضليل والعمالة والتزوير .. بحيث لم يسلم من السنتهم واتهامهم احد من القدامى او المحدثين ، بل نراهم يتلمسون للجميع الاخطاء ، ويهيلون علي تاريخ ائمة المسلمين في جهادهم التراب !!

ومن المؤسف ان تتطور مواقف هؤلاء لتصل الي حد المواجهة المسلحة .. وكان التاريخ الاسود مع الخوارج والقرامطة وغيرها يعييد اليوم نفسه ويكرر ماسبق من مآسيه.
وانه لمن المؤسف كذلك ان تختلف هذه الجماعات علي نفسها قبل ان تتفق مفاهيمها ، وان المطلوب هو ان تتوحد جهودها وجهادها لتكون صفا واحدا في مواجهة التحديات التي تواجه الاسلام والمسلمين والتي تهدد الأمة في حاضرها ومستقبلها ومصيرها – بدلا من الجمهود المشتتة ، والقوي المبعثرة ، والمفاهيم المختلفة ، والأفكار المتشددة.

إننا نري منهم من يتعالم علي غير علم..ومن يتصدر للفتوي علي جهالة.. ومنهم من يتهم الائمة والعلماء بغير حق ..ومن يسئ الي الاخرين بغير ذنب .. ومن يستغل الاحداث والشباب فيوجههم الي العنف والارهاب واراقة الدماء ، والحاق الاذي بالابرياء ، واهدار ثروات البلاد مستغلا الدين في تدبير هذه الاعمال .
وكل ذلك من شانه ان يسئ الي الاسلام الذي يزعمون الدعوة اليه والدفاع عنه وهم اشد الناس اساءة اليه .
ومن شان ذلك ان يسئ الي المسلمين أيضاً ، وان يظهرهم بمظهر العنف والارهاب والوحشية.

والذي نأمله هو : حركة اسلامية واعية وراشدة تنطلق من فهم صحيح للدين ، ووعي بمصير الامة ومستقبلها . والوقوف بالدين عند حدوده و وسطيته ، دون تجاوز له او غلوًٌَ فيه ، بحيث تمثل الدين الصحيح في صفائه ونقاءه وسماحته و بحيث تبقي علي شرعيتها في الناس ، وتفرض احترامها علي الجميع ، وتظل في عقولهم وقلوبهم ..ويومئذ لن يزيدها تعنت مخالفيها الا تمسكا بها ، وتأييداً لفكرها المعتدل ، واستمرارا لحركتها الوسطية ، ومباركة لجهودها وجهادها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.