مقالات

الإرهاب وتهديد السلم العالمي أ.د/ محيي الدين عفيفي

الإرهاب وتهديد السلم العالمي

أ.د/ محيي الدين عفيفي

عضو المنظمة العالمية لخريجي الأزهر
إننا كثيرًا ما سمعنا وقرأنا أن الإرهاب لا دين له، ولا وطن له، وتأتي الأعمال الوحشية للتنظيمات الإرهابية المختلفة لتؤكد ذلك، وتثبت أن الإرهاب لا يفرِّق في أعماله بين المسلمين وغير المسلمين، وأن الأديان بريئة تمامًا من تلك الممارسات الإجرامية، ويتأكد للعالم أيضًا أن الإرهاب لا وطن له .
ففي مارس الماضي تألَّم العالم من تلك المذبحة التي ارتكبها (متطرف يميني أسترالي) قام بقتل خمسين مُصليا في مسجدين في مدينة (كرايس تشيرش) بنيوزيلاندا أثناء صلاة الجمعة، وإصابة عدد كبير من المصلين.
وفي شهر أبريل صُدم العالم بتلك الجريمة التي راح ضحيتها المئات ممن كانوا في عدد من الكنائس والفنادق التي أصابتها التفجيرات حيث ذكرت السلطات السيرلانكية أن سلسلة التفجيرات التي استهدفت الكنائس والفنادق نُفذّت بدعم من شبكة دولية، وأفادت الشرطة – هناك – أن عدد الضحايا ارتفع إلى ( ٣١٠) من القتلى، وأصيب أكثر من ( ٥٠٠ ) شخص. وجاء ذلك بعدما وقعت ثمانية تفجيرات، استهدفت ثلاث كنائس في مدينتي ( نفومبو) و(باتيكالوا) في العاصمة (كولومبو) خلال المراسم الدينية للاحتفال بعيد الفصح (عيد القيامة عند مسيحيي الشرق).
إن هذه التفجيرات تكشف عن خطر الإرهاب الذي يستغل الدين في تحقيق أجندات سياسية واقتصادية لأصحاب المصالح والداعمين لتلك التنظيمات. وقد قامت إحدى الجماعات الإرهابية بتبنّي هذا العمل الإرهابي الجبان الذي لا يمت بصلة إلى أي دين مما يجعلنا نؤكد على أن الإرهاب لا دين له، ولا وطن له، وأن انتشار الأعمال الإرهابية في مناطق مختلفة من العالم يجعلنا جميعًا مسلمين وغير مسلمين بحاجة للعودة إلى تعاليم الأديان، واحترام القيم الإنسانية المشتركة التي أكدت على حق الإنسان في الحياة، وأهمية الاحترام الكامل لجميع حقوق غير المسلمين والتي من جملتها: حقهم في ممارسة عباداتهم.
ولذا فإن التحديات التي يمر بها العالم تحتاج إلى التعاون المشترك على المستوى العالمي لمواجهة الإرهاب، وذلك من خلال بيان أصل العلاقة بين الناس، وإبراز الصفحات المشرقة في التعامل الإنساني الراقي الذي يُستوحى من تعاليم الأديان بعيدًا عن الغلو والتطرف والإرهاب.
إن احترام الإنسان في نظر الإسلام لا يعتمد إلا على إنسانيته فقط، ومن ثمَّ فإن الإسلام لم يطلب من غير المسلمين أن يتركوا معتقداتهم ليعتنقوا الإسلام، ولم يأمر بقتلهم تحت أي دعاوى، ولم يُنقل إلينا أن أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتدى على كنيسة، أو أوصى بذلك، أو حرّض على قتل غير المسلمين تحت أيِّ دعاوى.
إن المعرفة والاستنارة الفكرية السلمية تُعد من أقوى وأهمّ الأسلحة في مواجهة الإرهاب الذي يعمل على التضليل الفكري للشباب من خلال المنصات الإلكترونية التي تستخدم أحدث التقنيات العلمية في الوصول إلى تلك الشريحة المهمة، حيث يتم التركيز والاستغلال للعاطفة الدينية عند الشباب، وتتم عملية تمرير للمفاهيم المغلوطة التي تتعلق بقضايا تداعب أحلام المخدوعين ممن يتم استهدافهم، ومن تلك القضايا: الجهاد، وإقامة الدولة الإسلامية، واستعادة الخلافة إلى غير ذلك… فنحن أمام تحديات خطيرة تستوجب تصحيح تلك المفاهيم والبيان والإيضاح للحقائق بعيدًا عن عمليات التزوير باسم الدين.
رؤية الإسلام للتعامل مع غير المسلمين:
إن الإسلام تعامل مع غير المسلمين بمنهجية تؤسس للعيش المشترك المبني على التفاهم من خلال إعمال العقول في المشتركات بين الأديان، والدعوة إلى الحوار القائم على احترام الغير، وعدم النيل منه، وترك الجدال في العقائد؛ لأن اختلاف العقائد مشيئة إلهية، ومن ثم فإن الإسلام يُرسِّخ للتعايش السلمي بعيدًا عن التعصب، ومحاولات الإقصاء الديني والمذهبي التي يمارسها من لا يفهمون فلسفة الإسلام في التعايش السلمي.
لقد قررت وثيقة المدينة أسس التعامل بين المسلمين وغيرهم، وبيَّنت أن المسلم وغير المسلم، والرجل والمرأة كلهم سواء في حرمة الدمّ، واستحقاق الحياة وأن إزهاق الروح بغير حق جريمة ضد الإنسانية جمعاء.
كما أصّلت الوثيقة في بنودها: حرية العقيدة ومبدأ السلام والتسامح مع أتباع الأديان، وهو من المبادئ الرئيسة التي قامت عليها الدولة التي أقامها الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فقد وفّرت الوثيقة لغير المسلمين وجودًا اندماجيًّا يحافظون فيه على جميع مكونات شخصيتهم، وفي طليعتها الهُويِّة الدينية وما يرتبط بها من ممارسات وعادات ( ).
أهمية الأمن والأمان في حياة الناس:
إن الإسلام لم يعتمد في ترسيخه للأمن والأمان في وعي الناس على الرؤية النظرية، بل قام النبي صلى الله عليه وسلم بالتطبيقات العملية في التعامل بين المسلمين وغيرهم من اليهود والمشركين ممن كانوا يقطنون المدينة آنذاك حيث بشر النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك بعهد جديد لم تألفه البشرية في تاريخها، ليحفظ لها أمنها فقد قدّم النبي صلى الله عليه وسلم من خلال وثيقة المدينة ضمانات تشريعية مُهمة ليزرع قيم الأمن والأمان والسلام بين مختلف طوائف المجتمع دون تمييز( ).
لأن الحفاظ على هذه القيم مطلب إنساني في كل زمان ومكان، لا يمكن الاستغناء عنه مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة
ولذا فإن مما امتنَّ الَّله – تعالى – به على قريش نعمة الأمن:
لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) (قريش: 1-4).
وأكّد النبي صلى الله عليه وسلم على قيمة تلك النعمة فقال: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ طَعَامُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا) ( ).
ولذا فإن الإرهاب بات يهدد بعملياته الإجرامية أمن وسلامة البشرية، وتلك جريمة كبرى في حق الإنسانية التي جعل الإسلام التعارف والتعاون والتكامل من أسس العلاقات بينها.
التحذير النبوي من إيواء ودعم المجرمين:
لقد حذّر رسول الله من عمليات دعم الإرهاب وإيواء المجرمين وأعداء الإنسانية الذين يهددون السلم المجتمعي والعالمي، فكان مما ورد بوثيقة المدينة “وإنه لا يحل لمؤمن أقّر بما في هذه الصحيفة”، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر مُحدثًا( ). ولا يؤويه، وإنه من نصره، أو آواه فإنه عليه لعنة الَّله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل.
إن رسول الَّله صلى الله عليه وسلم عدَّ إيواء المجرمين ذنبًا عظيمًا وجريمة نكراء، لأنها تؤدي إلى اضطراب المجتمع واختلاله( ).
لقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمليات دعم الإرهاب، وإيواء ورعاية المجرمين ومن يمارسون الإرهاب، ويهددون أمن وسلم المجتمعات الإنسانية؛ لأن إيواء هؤلاء المجرمين وتمويلهم خطر على حياة الإنسان، إن النبي صلى الله عليه وسلم يُحذِّر الأفراد والجماعات والأنظمة والدول الممولة للأنشطة الإرهابية، ليُبيّن أن دعم ورعاية الإرهاب، ومن يستحلون قتل النفس الإنسانية وترويع الآمنين، جريمة ضد الإنسانية؛ لأن الإسلام يُحرِّم كل ما يؤدي إلى استحلال دماء وأرواح وأموال وأعراض الناس أيًّا كان دينهم، فلا يمكن باسم الجهاد، أو الشرعية، أو ادعاء تطبيق شرع الله، أو استعادة الخلافة … جعل المجتمعات الإنسانية دار حرب، لضرب استقرار العالم مثلما يحدث هنا وهناك، مثل ما حدث في مارس الماضي في العاصمة النيوزيلاندية (كرايس تشرش) وما حدث بعد ذلك في شهر أبريل أي في أقل من خمسة أسابيع في سيرلانكا، واستهداف من يُصلّون في كنائسهم، والسياح في الفنادق، وما حدث قبل ذلك في مناطق مختلفة من قارات العالم، مما أدى إلى حالة من الرعب من تلك الجرائم التي تمارسها عصابات الإرهاب ضد الإنسانية.
يقول الشيخ محمود شلتوت: دعت هداية الله إلى السلام، إلى حدّ أنها لم تجعل المخالفة في الدين الحق سببًا من أسباب العدوان والبغي، ونرى ذلك جليَّا في قوله تعالى:
(لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: 8)
ونراه في المبدأ العام الذي جعلته أساسًا لمعاملة أهل الكتاب، ذلكم المبدأ المعروف وهو: “تركهم وما يدينون، والتحذير من التعرض لهم في شعائرهم وأموالهم، والتسوية بينهم وبين المسلمين في الحقوق والواجبات العامة، وَسَمَتْ في كل ذلك حتى أوجبت على المسلمين: إعانة المنكوبين منهم، وأباحت الاختلاط بهم، والتعاون معهم، ومصاهرتهم، وهو في الحقيقة تقرير للسلام، وإقامة للموازين العادلة”( ).
“إن معركة الدين ليست مع أعراق وأجناس، » معركة الدين لا علاقة لها بإبادة، أو تطهير عرقي، معركة الدين لم تقم يومًا ما من أجل لون البشرة، وما تبع ذلك من تفريغ قارات بأكملها، كما حدث عند تفريغ الأمريكتين من الهنود الحمر.
معركة الدين الحقيقية مع الباطل أينما وُجد، وفي أي مكان، وهذا واجب الدين، بل لن يكون دين سماوي بدون مسئولية عُظمى كهذه تلقى على عاتقه”( ).
إن المعركة الحقيقية اليوم هي وقوف الجميع في وجه الإرهاب وجماعاته وداعميه من خلال تعرية الباطل، وكشف تهافت تلك الدعاوى الباطلة التي يعمدون فيها إلى التأويلات الفاسدة للنصوص الشرعية، وإلى التوظيف السلبي للدين للوصول إلى مآربهم، لقد كان الإسلام ولا زال داعمًا للسلام والاستقرار، تقول زيغريد هونكه: لقد خلق (عبد الرحمن الأكبر) ( ). في الخمسين عامًا التي حكمها ( ٩١٢ ٩٦١ م) في الأندلس من الأمة المنقسمة على نفسها دينيًّا وعرقيًّا، شعبًا متحدًا قاد العالم في طريق التقدم والرقي، ولم تستطع الخلافات السياسية ولا الصراع الداخلي بين المتحررين والمتحفظين في الداخل أن يمنع الحضارة المزدهرة أو يعوق تقدمها( ).
إن المعرفة والوعي بحقيقة الروابط الإنسانية من أهم ما يُتسلح به في مواجهة الإرهاب مما يستوجب العودة الحقيقية والصادقة إلى تعاليم الأديان والمشتركات الإنسانية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.