مقالات

الإسلام وجماعات العنف أ.د/ عبد المنعم فؤاد

الإسلام وجماعات العنف أ.د/ عبد المنعم فؤاد

استاذ العقيدة بجامعة الأزهر عضو المنظمة العالمية لخريجي الأزهر
لقد ابتليت الأمة الإسلامية في هذه الآونة بجماعات متنوعة تنتمي إلى الإسلام، ولكنها تحمل ثقافة العنف والتطرف والإرهاب! فالإسلام الذي نعرفه من خلال كتاب ربنا المحكم، وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، والصحابة الأبرار، والتابعين العظام، وعلماء الأمة المعتبرين: هو نقيض العنف، والقمع، والتطرف؛ لأنه دين مودة، ورحمة، وسماحة، وطهر، وإصلاح، وسلام، وهذه السمات هي جوهر هذا الدين الذي ارتضاه لنا رب الأرض والسماء:وهي ثقافة بعيدة وغريبة عن الإسلام: عقيدة، وشريعة، وحضَارةً، وتاريخًا، وقيمًا.
(وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة: 3)
والعنف والتطرف لا يمت إلى هدي هذا الدين القويم بأدنى صلة أو نسب، ومن اطلع على ما في القرآن العظيم من رحمة وإحسان وقيم ورأفة وحسن خطاب، وما قاله المصطفى -عليه الصلاة والسلام- في هذه  اقول: من علم ذلك، واطلع عليه ليتأكد من أن هذه الجماعات بأفعالها وعنفها، وسلوكها أعرضت عما في الكتاب والسنة، وجعلته وراء ظهورها، واتخذت من الوحشية والعنف والبربرية منهجًا ومذهبًا ومعتقدًا، وصار للحقد والغلّ مكانًا واسعًا في قلوب أصحابها، فصارت هذه القلوب كالحجارة أو أشد قسوة!
بل جعلت أعداء الإسلام يتخذون أعمالها سيفًا بتارًا لضرب الإسلام وتعاليمه السمحة وقيمه الراقية!  لذا وجب التوضيح والبيان لحقيقة هذا العنف الذي يحملونه، وبيان جذوره وأسبابه، والرؤية الشرعية في سلوكيات أصحاب هذه الجماعات، وأهم القضايا التي أثاروها وخالفوا منهج الأمة فيها، وكيف نحافظ على شباب أمتنا، وبلدنا من الوقوع في شباك أفكار هذه الجماعات المنحرفة والله من وراء القصد.
أولاً: العنف عند علماء اللغة: يرى علماء اللغة أن العنف في معناه اللغوي هو ضد الرفق، وعنفوان الشيء: أوله، ويُقال: هو في عنفوان شبابه؛ أي:  قوته، وعنفه تعنيفًا؛ أي: لامه وعتب عليه ([1]).
فكلمة العنف تتضمن معنى الشدة، والغلظة في القول والفعل، وفي الحديث الشريف : “إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف”([2]).
بل روت عائشة -رضي الله عنها- حديث النبي صلى الله عليه وسلم القائل : ” إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه([3]).
وفي الاصطلاح : العنف هو: سلوك إيذائي، قوامه إنكار الآخر كقيمة للأنا، أو لنحن.
ومن مرتكزه: استبعاد الآخر عن التغالب، أو تصفيته معنويٍّا وجسديٍّا ([4]).
ومن وجهة نظري: إنَّ العنف هو: استخدام الشدة في غير موضعها دون حاجة إليها، ودون شروط أو ضوابط شرعية أو قانونية يتعارف إليها المجتمع.
ثانيًا: مجالات العنف:
في عصرنا هذا اشتهر العنف والإيذاء في مجالات عدة دون ضوابط شرعية – كما أشرت- فنجد أن العنف انتشر في:
مجال الأسرة: بين الآباء والأبناء، والزوج والزوجة.
وفي المجال الاجتماعي: بين الناس في المواصلات والطرقات.
وفي مجال العمل: بين رجال الأعمال والعمال.
وفي المجال التربوي: بين الطلاب ومعلميهم.
وفي المجال السياسي: بين القائمين على الشئون الإدارية والسياسية وتابعيهم.
كل هذه الأمور وأشباهها لها ضوابط وتعليمات من رب العباد، لو تم تطبيقها بإخلاص بين الجميع، وعلم كل شخص ما له وما عليه، وأن المولى -جل وعلا- رقيب على العباد في ذلك- لاستقامت عجلة الحياة، وأمسك العنف في هذه المجالات بعصا ترحاله، ورحل من بيننا بلا عودة، وساد الأمن في المجتمع. غير أن أقسى أنواع العنف هو العنف السياسي الذي تحمله هذه الجماعات –إن صح هذا الانتساب- فهي تدعي: أنها تريد أن تحكم بما أنزل الله، وتدّعي أنها تجاهد في سبيل الله وتدافع عن حياض الشريعة والدين، وتتخذ مصطلح الجهاد لها وسيلة، وتتهم الآخرين الذين ليسوا على نهجهم من أبناء الأمة بأنهم من الكفار، بل وصل الأمر بأفراخهم داخل مصرنا الحبيبة أنهم يهددون السياحة لضرب الاقتصاد في البلاد.
وفي العالم الخارجي:
نرى تهديدات أكابرهم للمدنيين في كل مكان، ويحتجزون رهائن من المسالمين بلا جرم اقترفوه، ولا سوء فعلوه، معتقدين أن غير المسلم لا يستحق الحياة، وبهذا الإجرام تتغنى وكالات الأنباء العالمية -للأسف- وتتهم الإسلام بسبب أفعال هؤلاء الشواذ فكريٍّا بما تشاء، ويا حسرة علي العباد!
الأزهر الشريف في المواجهة:
لذا تحرك الأزهر الشريف من منطلق المسئولية الفكرية والدينية الملقاة على عاتقه بالتحذير من أفكار هؤلاء، وما تحمله من عنف وتطرف، وقام بعقد مؤتمرات في مواجهة هذا العنف منها: مؤتمره عن التطرف والإرهاب الذي حضرهأكثر من ٧٠ دولة في القاهرة لمواجهة هذه الأفكار الغريبة على ديننا وكان ذلك في 3 – ٤ ديسمبر ۲۰۱٤ م، وخرجت توصياته للعالم كله بها مضادات حيوية فكرية – إن صح التعبير – ضد فيروسات هؤلاء الخوارج الجدد، بل تابع الأزهر هذا الأمر، وحضر فضيلة الإمام الأكبر في مكة المكرمة مؤتمرًا عن مكافحة الإرهاب في فبراير ۲۰۱٥ م، وفيه: وصف فضيلته أمراض هذه الجماعات، وبَيّنَ خطرها على الأمة والسلم العالمي. وقال ما نصه:
“ولعلي لا أبالغ إن قلت: إنه لم يحدث  للمسلمين -في تاريخهم- أن أمسى بأسهم بينهم شديدًا على هذه الشاكلة الشنعاء التي نراها الآن، وأن هذه الأمة التي قال الله تعالى فيها:
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران 110)
قد أفضت بها الأيام إلى حاضر بئيس، وخطب فادح، وأمر جلل، ارتكست معه الأمة العربية والإسلامية في حمأة الفوضى والاضطراب والتمزق والانفلات، وتشوهت صورة الإسلام في عيون الناس في الشرق والغرب، بل أكاد أقول: في عيون الناشئة من أبناء المسلمين أنفسهم”([5]).
وفي مؤتمر تعزيز السلم في “المجتمعات الإسلامية” الذي عُقد في الإمارات الشقيقة  في أبريل ۲۰۱٥ م نادى فضيلته بمحاصرة العنف من خلال عمل جماعي مشترك لتحقيق الأمن ونشر السلام ودحر العنف ومحاصرته والقضاء عليه، وقال:
“نحن في أشد الحاجة إلى مراجعة  أمينة وقراءة نقدية لبعض المفاهيم في تراثنا الإسلامي وبيانها للناشئة في مقررات دراسية تُسهم في تحصينهم من الجماعات المسلحة”([6]).
وفضيلته بهذا: يريد اتخاذ خطوة جادة لفلترة الأفكار، وبيان الصحيح من السقيم في التراث، وتوضيح المفاهيم لشباب الأمة حتى ننجو جميعًا إلى شاطئ الأمان بإذن رب العالمين، ومن هذا المنطلق سنوضح بعون منه سبحانه :
جذور هذا الفكر ونشأته:
تثبت المصادر أن للعنف جذورًا ومنابع معروفة على مر التاريخ الإنساني، نكتفي في هذا المقال بالحديث مختصرًا عن جذور العنف قبيل مجيء خاتم الرسالات صلى الله عليه وسلم، ومن أبرزها ما يلي:
أولاً: العنف في الجاهلية:
معلوم أن الإسلام جاء نبيه –عليه الصلاة والسلام– ليتمم مكارم الأخلاق، ولئن كان عند أهل الجاهلية عدة صفات من الأخلاق الحسنة؛ كالمروءة، وإكرام الضيف، وغير هذا مما أقره الإسلام بعد ذلك وهذبه، إلا أنالعنف كان له اليد العليا عند هؤلاء، وكانت هذه اليد لا ترحم كبيرًا ولا صغيرًا ولا جنينًا، ولا تنصف مظلومًا، وهذا وأد البنات، وقتل الأولاد من إملاق واقع، أو خشية إملاق متوقع قد ساد، ولا يوجد من يمنع قطاره السريع الذي يدهس الجميع في المجتمع!.
فجاء الإسلام بقيادة المصطفىصلى الله عليه وسلم ليوقف هذا الجرم والعنف، ويحافظ على أرواح الأجنة والمواليد من البنين والبنات؛ فشرع في تحريم القتل بوجه عام:
(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (الإسراء: 33)
ثم حرم قتل الموءودة بوجه خاص؛ قال سبحانه:
(وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) (التكوير: 8-9)
وكذلك نهى الإسلام عن قتل الأولاد بسبب الفقر أو خشية منه؛ قال سبحانه:
(وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) (الأنعام: 151)
أي: بسبب الفقر الحاصل لديكم، فالرزق للجميع من الله تعالى ولا أحد يأخذ رزق أحد، وقال جل وعلا في اللقطة الأخرى:
(وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) (الإسراء: 31)
أي: لا تخافوا من المستقبل وتخشوا أن تفتقروا أو يفتقر أولادكم بعدكم؛ فإن الله يرزقهم من وقت مجيئهم، ويرزقكم رزقكم المُقدّر لكم، لا ينقص منه شيء([7]).
وهنا قُطع دابر هذا العنف الغريب عن الفطر السليمة وعن صحيح الدين، وظهر تشريع جديد على يد سيد الأنام –عليه الصلاة والسلام- يحترم آدمية الطفل خاصة والإنسان عامة، وهذّب سلوكهم، وطلب منهم أن يعدلوا عما كانوا عليه من إجرام، ويتحركوا ويدوروا مع الحق حيث دار؛ فبالحق والعدل والتوكل على الخالق -جل وعلا- تستقيم الحياة، وليس بالقهر والجبروت والعنف.
ثانيًا: العنف عند أصحاب الأديان والمذاهب والحضارات الأخرى:
قد يظن البعض من كثرة ما تلقيه الفضائيات العالمية من اتهامات للإسلام بسبب هذه الجماعات المتطرفة التي ابتليت بها الأمة – كما أشرنا آنفًا- أن العنف طبيعة في الإسلام، وأن المسلمين هم ذئاب مفترسة، والعنف هو ثقافتهم التي لا توجد لدى غيرهم، وهذا غير صحيح بالمرة!
فثقافة العنف هذه موجودة منذ أن وجد ابنا آدم – عليه السلام -، وقص القرآن الكريم قصتهما بتفصيل رائع يؤكد أن هذا العنف بذوره وجذوره ليست إسلامية كما يدعي المفترون، بل ترجع إلى عهد بعيد، فقال تعالى:
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: 27)
ومن وقتها ظهرت ثقافة: لأقتلنك، وحملتها جماعات العنف في كل زمان ومكان، ولا علاج لإيقافها إلا بتشريعات رب الأرض والسماء في ذلك، ونتبع الحديث في المقال التالي – إن شاء الله تعالى –. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.