مقالات

من القول الطيب – مكانة العلم والعلماء

إن العلم أشرف ما يعز به الإنسان ويرتفع به قدره ﴿‏‏يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ‏ [المجادلة‏: 11]‏، وهو في الوقت يُلقِي بمسؤولية كبرى على أهله نحو مجتمعاتهم ومَن حولهم من المواطنين بالخير والنماء والنفع، وبالنصح والبيان، والإقناع والبرهان فـ «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قِيلَ: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ».

وتعلمون أنَّ العلم رَحِمٌ بين أهلِه، وأنَّه رابطةٌ عقليَّةٌ وروحيَّةٌ يسلكُ بها العلماء – على اختلاف تخصُّصاتهم – سبيلًا واحدةً لكشف آيات الله في كونه يتنهى بهم إلى الجنة: «فمَن سَلَكَ سبيلًا إلى علمٍ يَسَّرَ اللَّه له سبيلًا إِلَى الْجَنَّةِ».

وأوَّلُ آدابِ العِلمِ في الإسلامِ، بل أوَّلُ واجباتِ المُشتَغِلين به هو إشاعةُ نَشرِه بينَ الناسِ، والاعتزازُ به والالتزامُ بتقاليدِه وتَبِعَاتِه اللائقةِ بالعُلَماءِ وطُلَّاب المعرفةِ والحقيقةِ، وألَّا يَتَحوَّلَ العلمُ في أيِّ فرعٍ من فُروعِه وتَخصُّصاته إلى سِلعةٍ تَخضَعُ لقانونِ العَرضِ والطَّلَبِ، وتُبتَذَلُ في أسواقِ المَنافِع والمَصالِحِ الضيِّقةِ، فالعِلمُ رسالةٌ قبلَ أنْ يكونَ مَصدَرًا للكسبِ الماديِّ الذي ينبغي أنْ يأتيَ ثانيًا وبالعرضِ، وليس أوَّلًا وبالذاتِ.

والعالِمُ حُرٌّ مُتحرِّرٌ من كُلِّ القُيُود، والعالِمُ الحقُّ هو الذي يَرَى موطنَه فوقَ السحابِ حتى وإن كان فقيرًا.

وقد قُدِّر لجِيلِي – والحمدُ لله – أن يتَتَلمَذَ على عُلماءَ فُقَراءَ ترَكُوا في عُقُولِنا ونُفُوسِنا قبَسَاتٍ ما زالت تقودُنا في مَسِيرتِنا العلميَّةِ والخُلُقِيَّةِ، وإن أنسى لا أنسى تَغنِّي بعضِهم بقولِ الإمامِ الشافعيِّ:

أنا إنْ عشتُ لستُ أعدمُ قُوتًا … وإذا متُّ لستُ أعدمُ قَبْرَا

هِمَّتِي همَّةُ المُلوكِ ونَفسِي … نَفسٍ حُرٍّ تَرَى المَذلَّةَ كُفْرَا

وإذا ما قنعتُ بالقُوتِ عُمْرِي … فلماذا أَهابُ زيدًا وعَمْرَا

ولئن كان هناك ما يجبُ عليَّ أن أشارككم إياه من فكر، في هذا المقام، فهو تقدير منهج الأزهر الوسطي، ونزعته التجديدية الملتزمة منذ الشيخ محمد عبده ومن بعده الشيوخ: سليم البشري، ومحمد بخيت المطيعي، ومحمد مصطفى المراغي، ومصطفى عبد الرازق، ومحمد عبد الله دراز، ومحمود شلتوت، إلى أبي زهرة والغزالي، وسائر الكوكبة الشريفة المشرفة من علماء الأزهر وأئمته الأوفياء لما وسده إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ».

وأعدكم أن نَظَلَّ أوفياء لهذا المنهج التجديدي الوسطي، ننفي عنه تحريف الغُلاة المُخرِّبين للعُقول، المُحرِّفين للدين، ونعمل على تنقية تُراثه العريق ممَّا عساه ندَّ به من إفتاءٍ شاذٍّ، أو فكرٍ سقيم، ومقاومة التأويل الفاسد القائم على غير قواعد العلم والفهم والتفسير والدعوة الصحيحة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى