مقالات

من القول الطيب – كلمات في المنهج الأزهري

إن المعرفة هي أعز غاية تطلب، وأول واجب يكلف به العقلاء، وهي تراث الأنبياء، «إن العلماء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم»، وهي مفتاح باب الجنة «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة»، وهي عصمة الأمة من الضلال والتيه، «إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه بقبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال، يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون».
منذ ألف عام – بل تزيد – قامت في مصر، البلد الوحيد الذي يمتد في فضاء القارتين العريقتين آسيا وأفريقيا، وهما منشأ الحضارات الإنسانية، ومهبط كل الرسالات السماوية، قامت منارة سامقة، تبعث بأضوائها الهادية إلى أطراف العالم كله، وبخاصة شباب هاتين القارتين من أبناء الأمتين العربية والإسلامية.
إنه الأزهر، معقل العلم والعلماء، وليس الأزهر مجرد معهد عريق، أو جامعة عالمية هي الأقدم في تاريخ الإنسانية، من حيث تواصل عطائها دون توقف، طوال هذه القرون العديدة إلى اليوم، وإنما في جوهره: رسالة، ومنهجا، وخطابا فكريا متميزا.
فالأزهر الذي يحمل مسئولية الجانب العلمي والدعوي من رسالة الإسلام خاتمة الرسالات الإلهية إلى البشر كافة، رسالة السلام العالمي والمساواة والعدالة والكرامة الإنسانية والتحرر من الآصار والقيود التي تثقل كاهل البشرية وتؤمن بكل ما أرسل الله من رسول، وما أنزل من كتاب، ﴿ءامن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾.
ويسلك الأزهر في فهم هذه الرسالة وتعليمها والدعوة إليها منهج أهل السنة والجماعة، كما تتمثل في فكر الإمام أبي الحسن الأشعري بمقالاته المنصفة وسائر كتبه التي شقت طريق النظر العقلي بعمق ووسطية واعتدال.
كما يتمثل هذا المنهج أيضا في تبني أصول الأئمة المتبوعين من فقهاء الأمة دون تعصب أو إقصاء، فأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد أعلام تتردد في رحاب الأزهر الشريف آراؤهم، وتدرس في أروقته وتحت قبابه أقوالهم، في سماحة فكرية ونظر موضوعي جنبًا إلى جنب، وبحث مخلص النية والهدف، عن الأقوى دليلًا والأوفى بحاجات الأمة في ظروفها المتغيرة، ونوازلها المتجددة.
هذا وقد استقام للأزهر على مدى القرون منهج يقوم به أولاً على بناء ملكة رصينة لدى أبنائه في اللغة العربية وأسرارها العبقرية، ثم في دراسة الكتاب والسنة والعلوم التي تخدمها، واستخلاص الأحكام الاعتقادية والعملية منها، أعني: علوم أصول الدين وأصول الفقه وعلوم القرآن وعلوم الحديث الشريف وعلوم الفقه المذهبي المقارن، وعلوم التصوف والأخلاق.
وما يلقاه الخطاب الأزهري الوسطي المعتدل الآن من قبول في العالم الإسلامي وخارجه، إنما يرجع إلى هذه الروح التي تمزج الفكر العملي بالروح الصوفية وتتمسك بالحد الأوسط الذي وصف في مجالي العقيدة والعمل والذي يعكس الروح الإسلامية الأصيلة التي تسود العامل الإسلامي بصرف النظر عن بعض الأصوات الهامشية هنا أو هناك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى