English Français Indonesian Urdu Malay عربى
 
 
   
   
 
 

   
 
اللّهم إنا نبرأ مما فعله داعش اللّهم إنا نبرأ مما فعله داعش
الشّيخ عبد الله سعيد الكوردي
رئيس اتّحاد علماء الدّين الإسلامي في كوردستان
"


الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على المبعوث رحمة للعالمين، و على آله و صحبه أجمعين ...

أما بعد:

مع ظهور داعش إنتشرت طرق القتل المتنوعة،والناظر في الكثير من مقاطع اليوتيوب المسجلة التي تقشعِّرُ منها الأبدان يرى أنَّه يُنحر الناس وهم يصيحون «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وتبقى مسبحبتهم مرفوعة دليلاً على التشهد قبل الذبح، ومن قالها من الكفار فقد عصم الله دمه وماله وعرضه، فما بالك بأمة الإسلام، ورأينا مَنْ يُحرق بالنار ولا حول له ولاقوة، فقطع الرؤس بالسكاكين و حرق الإنسان بالنار لهو من أشد أنواع التعذيب، فهم يستهزئون بمن سيذبحونهم ويشْمتُونهم ويصدرون أصواتاً كالأنغام قائلين لهم سنذبحكم مثل الأغنام ثم يفعلون ذلك بهم، فلم يكتفوا بالقتل والذبح وإنما يضيفون إلى فعلتهم النكراء الإهانة والإذلال والسخرية ، فمع قطع الرؤس يقومون بتعليقها في الأماكن، ويرفسونها كالكرة، ويسخرون بالجثث والرؤس المقطوعة،و يقومون ببث هذه الأعمال في أجهزى الإعلام و شبكات التواصل الإجتماعي، وأعطوا بذلك سلاحاً لكل من يتقول على الإسلام بأنَّه دينُ غلطة ووحشية بعدما نشروا أعمالهم القاسية على الإنترنت بإسم الإسلام، وأعطوا للعالم الحجة البالغة ضد الإسلام ، مع أنَّ الإسلام دينُ الرحمة بريءٌ من هذه الأخلاق والأعمال ويُحرِّمُها . 

نرى كثيراً من المنحورين ينظر لصاحبه بجانبه وهم يحزون رأسه بسكين، وهذا منتهى القسوة التي لا يقرُّها ديننا الحنيف، والنبـي صلى الله عليه وسلم أمر مَن يذبح حيواناً بألا يذبحها عند أخيها وهو ينظر إليها، فكيف ببني آدم الذين كرَّمهم الله وحملوا الأمانة؟ فقد اتفق الفقهاء ألا تُذبح بهيمة أمام أختها،وقال ابن قدامة – رحمه الله -: «وَيُكْرَهُ أَنْ يَذْبَحَ شَاةً وَالْأُخْرَى تَنْظُرُ إلَيْهِ»( )، وقال النووي:((ويستحب أن لا يحدَّ السكين بحضرة الذبيحة وأنْ لا يذبح واحدة بحضرة أخرى ولا يجرُّها إلى مذبحها))( )،وجاء في الحديث الصحيح عن شداد بن أوس، قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: (( إنَّ الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليُحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته))( )،وجاء عن ابن عمر رضي الله عنهما فيما رواه أحمد في مسنده:(( أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ تحدَّ الشفار وأنْ توارى عن البهائم))( ).

ومن المعلوم أنَّ الإسلام جاء بتشريعات واضحة توجب التعامل مع الأسرى بالعدل والإحسان وبما يتناسب مع إنسانيتهم واحترام آدميتهم، من تقديم المأوى والطعام المناسب، والرفق بهم وعدم تعذيبهم وإيذائهم، قال تعالى: ﭡ  ﭢ   ﭣ  ﭤ  ﭥ   ﭦ  ﭧ     ( ).

وعَنْ أَبِي عَزِيزِ بْنِ عُمَيْرِ (أخو مصعب بن عمير) قَالَ: كُنْتُ فِي الأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: اسْتَوْصُوا بِالأُسَارَى خَيْرًا, فَكَانُوا إِذَا قَدَّمُوا غَدَاءَهُمْ أَوْ عَشَاءَهُمْ أَكَلُوا التَّمْرَ، وَأَطْعَمُونِي الْخُبْزَ، بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُمْ( ).

وقال قتادة :َلقدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالأُسَارى أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْهِمْ،وَإِنَّ أَسْرَاهُمْ يَوْمَئِذٍ لأَهْلُ الشِّرْكِ ،وَأَخُوكَ الْمُسْلِمُ أَحَقُّ أَنْ تُطْعِمَهُ( ).


وأما ما يقومون به اليوم من ذبح الأسير بالسكين كما تُذبح الشاة، أو حرقه وتعذيبه بالنار فهذه الطرق إضافة إلى كونها لا تتنافى مع الطباع البشرية، فهي محرَّمة وممنوعة في الشريعة الإسلامية،وذلك لعدة أمورٍ، منها:

1-منافاته للإحسان المأمور به شرعًا في القتل ، كما قال صلى الله عليه وسلم:  إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ( ).

قال القاضي عياض:(( إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ (عام في كل شيء من التذكية والقصاص وإقامة الحدود وغيرها) من أنَّه لا يُعذِّب خلقَ الله، وليُجْهِز في ذلك))( ).

وقال الجصاص:(( فَأَوْجَبَ عُمُومُ لَفْظِهِ أَنَّ مَنْ لَهُ قَتْلُ غَيْرِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ بِأَحْسَنِ وُجُوهِ الْقَتْلِ وَأَوْحَاهَا وَأَيْسَرِهَا وَذَلِكَ يَنْفِي تَعْذِيبَهُ وَالْمُثْلَةَ بِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُتَّخَذَ شَيْءٌ مِنْ الْحَيَوَانِ غَرَضًا،فَمَنَعَ بِذَلِكَ أَنْ يُقْتَلَ الْقَاتِلُ رَمْيًا بِالسِّهَامِ))( ).

فيحمل على عموم قوله:فإذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ،في كل شيء من التذكية،والقصاص،والحدود،وغيرها،وليجهز في ذلك ، ولا يقصد به التعذيب بأي شكل من الأشكال( ).

 2-أنَّ ما فعلوه من الذبح أو الحرق فيه تعذيبٌ وإيلامٌ شديدٌ للأسير، وقد نُهينا عن تعذيب الأسرى إذا لم يكن منه فائدة، حيث قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَعَفًّ  النَّاسِ قِتْلَةً: أَهْلَ الْإِيمَانِ( ). 

أي: أنَّ أهل الإيمان والتقوى هم أكثر الناس رحمةً وإحسانًا في طريقة القتل.

قال العباد:يعني أنَّهم يُحسنون القتل،ولا يحصل منهم التمثيل بمن يقتلونه فيعذبونه عند قتله،وإنما يريحونه بالقتل،فيقتلونه ويستريح بالقتل دون أنْ يمثلوا به قبل القتل أو بعده( ).

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُثْلَةُ تَعْذِيبُ الْمَقْتُولِ بِقَطْعِ أَعْضَائِهِ وَتَشْوِيهِ خَلْقِهِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ أَوْ بَعْدَهُ( ).

و ذكر المناوي أنَّ الحديث فيه تهديدٌ شديد في المثلة وتشويه الخلق،لأنَّ أهل الإيمان هم أرحم الناس بخلق الله، وأشدهم تحرِّيًا عن التمثيل بالمقتول والتشويه به، وإطالة تعذيبه إجلالاً لخالقهم، وإمتثالاً لما صَدَرَ عنه عليه الصلاة و السلام: فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، بخلاف أهل الكفر وبعض أهل الفسوق ممن لم تذق قلوبهم حلاوة الإيمان واكتفوا من مسماه بلقلقة اللسان وأشربوا القسوة حتى أبعدوا عن الرحمن وأبعد القلوب من الله القلب القاسي ( ). 

وقال العظيم آبادي: أنَّ الْإِحْسَان في القتل يعني إختيار أَسْهَلِ الطُّرُقِ وَأَقَلِّهَا أَلَمًا( ).

3- أنَّ القتل ذبحًا طريقةٌ لم تُعهد عن المسلمين منذ عهد النبـي صلى الله عليه وسلم وصحابته ومن بعدهم من أهل العلم والقضاء، فنِسبة هذا الأمر إلى السنة منكر من القول، وادعاء بلا علم.

وإنما عُرفت هذه الطريقة في القتل عن الخوارج الأولين، كما جاء في كتب التاريخ والسِّير( )أنَّهم ذَبَحُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابٍ كَمَا تُذْبَحُ الشَّاةُ ثُمَّ قَرَّبُوا أُمَّ وَلَدِهِ فَبَقَرُوها عَمَّا فِي بَطْنِهَا، فما نراه اليوم سنةٌ خارجية، لا سنةٌ نبوية.

4-أنَّ الشريعة الإسلامية فرَّق بين قتل الإنسان والحيوان،كما في الحديث:فإذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ،وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، فجعلَ القَتل للإنسان، والذبحَ للحيوان، مما يدل على الطريقة المشروعة لإزهاق الروح في كليهما.

قال ابن تيمية:(( ففي هذا الحديث أنَّ الإحسان واجب على كل حال، حتى في حال إزهاق النفوس، ناطقها وبهيمتها، فَعَلَّمَهُ أن يُحْسِن القِتلةَ للآدميين، والذِبحة للبهائم))( ).


وما يستدل به أولئك الذين يقومون بهذه الأعمال الشنيعة في جواز الذبح، فهو خطأ فاحشٌ وتلبيسٌ واضح ببعض النصوص الشرعية الواردة في القتل، فهم يستدلون بها على جواز ما يقومون به من الذبح،ومن جملة ما يستدلون به على أفعالهم الشنيعة:

1-قوله تعالى : ﮂ  ﮃ   ﮄ  ﮅ        ﮆ  ﮇ  ( ).

 فهذه الآية تتحدث عن قتل الكفار حال التحام الصفوف في الحرب، فيجوز حينئذٍ قتل الكافر المحارب بأي طريقة ممكنة لضرورة الحرب، وجاء التعبير بالضرب مناسبًا لطبيعة المعركة وما فيها من شدة وقسوة، وهو كناية عن القتل و ليس نصاً في الذبح.

قال الرازي في تفسيره: أراد به القتل( )،وقال القرطبـي في تفسيره:((وَقَالَ: (فَضَرْبَ الرِّقابِ) وَلَمْ يَقُلْ فَاقْتُلُوهُمْ، لأَنَّ فِي الْعِبَارَةِ بِضَرْبِ الرِّقَابِ مِنَ الْغِلْظَةِ وَالشِّدَّةِ مَا لَيْسَ فِي لَفْظِ الْقَتْلِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَصْوِيرِ الْقَتْلِ بِأَشْنَعِ صُوَرِهِ، وَهُوَ جَزُّ الْعُنُقِ، وَإِطَارَةِ الْعُضْوِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ الْبَدَنِ وَعُلُوُّهُ وَأَوْجَهُ أَعْضَائِهِ ))( ).

ثم إنَّ ضرب الرقاب يختلف تماماً عن الذبح بالسكين أو التعذيب بالحرق كما يفعله داعش، فالأُولى تكون بضربةٍ واحدةٍ بالسيف تزهق بها الروح مباشرةً، خلافًا للذبح الذي يكون بمعالجةٍ وتكرارِ إمرارٍ للسكين على الرقبة،أو التعذيب بالحرق بالنار مما يؤدي لتعذيب المقتول وزيادة إيلامه أثناء إزهاق الروح.

2-  لم يصح عن النبـي صلى الله عليه وسلم  ولا أحدٍ من أصحابه ذبحُ أحدٍ من الكفار أو المحاربين، وما ورد من روايات تشير إلى قطع رؤوس بعض الكفار: فلا يصح منها شيء، ولو صحت فلا حجة فيها على الذبح حال الحياة، بل غاية ما تدل عليه قطع الرأس بعد الموت لإثبات القتل .

3- فَهِم أصحاب الفكر المتطرف الحديث الشريف الذي رواه أحمد وغيره ((اسْتَمِعوا يا مَعْشَرَ قُريشٍ، أما والَّذي نَفْسُ محمَّدٍ بيَدِه لقد جِئْتُكم بالذَّبْحِ"))( )،فهماً خاطئاً غريبًا لا أساس له من الصحة، ينسبون به إلى الهدي النبوي ظلمات وجرائم، وارتكبو جرمًا كبيرًا في حق الكلام النبوي.

حيث زعموا أنَّ النَّبـيَّ – صلى الله عليه وسلم – جعل الذبحَ والقتل شعارًا لهذا الدين، وسوغوا بهذا الفهم لأنفسهم قطع الرقاب، وحاشاه صلى الله عليه وسلم من هذا الفهم ، فالقيام بذبح الإنسان بصورة همجية مليئة بالبطش والفتك،لا يتناسب أبداً مع التكريم الذي كرَّم الله عزَّوجل عباده في قوله(ﮏ  ﮐ        ﮑ  ﮒ  ﮓ   ﮔ  ﮕ  ﮖ  ﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚ  ﮛ   ﮜ  ﮝ  ﮞ  ﮟ )( )، ومنفافٍ تماماً للرحمة التي بعث الله بها رسوله،وبعيدة كـل البعد عن أخلاقه صلى الله عليه وسلم وأعماله.

فلا يصح الإستدلال به على جواز ذبح الأسرى "كالنعاج؛ لأنَّ الذبح هاهنا كناية عن القتل، كما في قوله تعالى عندما يُذَّكرنا بما فعله فرعون ببني إسرائيل:وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ( ).

قال السمعاني: معنى قَوْله:{يذبحون أبناءكم} أَي: يقتلُون( ).

وقال الرازي: يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ مَعْنَاهُ يقتلون الذكور من الأولاد دون الإناث( ).

قال المراغي في تفسيره: يذبحون أبنائكم أي : يقتلون الذكور( ).

وقال الحَمِيدي:(وَقَوله: أَمرنِي أَن أحرق قُريْشًا): كِنَايَة عَن الْقَتْل، كَقَوْلِه عَلَيْهِ السَّلَام: جِئتُكُمْ بِالذبْحِ( ).

وكذلك ذكر عبد الغني المقدسي أنَّ قوله: لقد جئتكم بالذبح كناية عن القتل( ).

ويؤكد ذلك أنَّ هؤلاء الأشخاص الذين توعدهم النبـي صلى الله عليه وسلم بهذا الوعيد، كأبي جهل وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وغيرهم ممن ورد ذكرهم في الروايات:لم يَذبح أحدًا منهم بالسكين، بل كان مصيرهم القتل ضربًا بالسيف في غزوة بدر كسائر قتلى المشركين.

ثم إنَّ هذه الجملة (لقد جئتكم بالذبح) لم يقلها صلى الله عليه وسلم لعموم الكفار، ولا لعموم قريش، بل لبعض من اشتدَّت أذيته منهم له وللمسلمين، فبأي حقٍ جعلوه شعارًا عامًا بحقِ جميع الناس والكفار في كل زمان ومكان!!

 

فهذا الفهمُ المنحرف البغيض الذي يصدرونه خطأ ومخالف لكل "قواعد الأصُول؛ لأنَّه إخراجٌ لصورة السَّبب عن عمُوم دلالة النصِّ كما ذكره علماء أصول الفقه، والقاعدةُ الأصولية تنصُّ على أنَّ:(صُورَةَ السَّبَبِ دَاخِلَةٌ قَطْعًا،لأَنَّ الْعَامَّ وَرَدَ لإجْلِهَا فَلا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا مِنْ الْعَامِّ)( )، وهذا الفهم الخاطيء مجافٌ و مخالفٌ تماماً لما جاء في المنهج العملي للنبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام الذي عفا عن صناديد قريش يوم فتح مكة، مشيرًا إلى أنَّ معنى الذبح في هذا الحديث هو أنَّه صلى الله عليه وسلم يقصد به التهديد لكفِّ الشرِّ، لأنَّه واسع الرحمة بهم، يدعو لهم بالهداية، حتى قال الله تعالى له:[وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم]( )، لأنَّه صلى الله عليه وسلم جاء أمانًا ورحمة للبشرية كلها، وأرسله ربه رحمة للعالمين.


4- ما أورده عدد من المؤرخين من أنَّ خالد بن عبدالله القسري أمير العراق في حينه، قال في خطبة الأضحى:  يا أيها الناس ضحوا تقبل اللَّه منكم ، فإني مضحٍ بالجعد بْن درهم  ثم نزل فذبحه( ).

فإنَّه لا يصح الإستدلال بما فعله أمير العراق في حينه على جواز ذبح الأسرى، لأنّ هذه الحادثة لا تُروى بسند صحيح.

ولو صحت فالمراد من الذبح هنا: القتل بالسيف، كما هو معتاد في إقامة العقوبات، وإنما عبَّر عن القتل بالذبح والتضحية لأنَّ القتل كان في عيد الأضحى( ).

قال المعلمي فيما ما روي في ذبح الجعد بن درهم:(( والخبر على شيوعه وانتشاره وذيوعه غير ثابتٍ لإنفراد القاسم بن محمد بن حميد المعمري بروايته ويقول عنه ابن معين :كذاب خبيث))( )،فضلاً على أنَّ هذه الحادثة ليست من الأدلة الشرعية التي يستند عليها في تقرير الأحكام .

وما كان يرتكبه الحجاج بن يوسف الثقفي وأمثاله من أعمال قتلٍ و ذبحٍ للمسلمين كما يذكره أهل التأريخ، فهو أنحرافٌ صارخٌ عن الإسلام، وكان لمجرد تثبيت حكمهم و عرشهم بالعنف و الإرهاب.

5- أما ما إستدلوا به من قصة العرنيين، فإنَّهم وقعوا في الخيانة العلمية، لأنهم نقلوا بعض الأقوال التي تخدم فعلهم الشنيع، وتغاضوا عن الأقوال التي تحرم التحريق، فمن حقنا أن نتسأل: لماذا نقلوا قول المهلب ولم ينقلوا قول ابن المنير الذي أورده الحافظ ابن حجر في ذات الموضع الذي نقلوا عنه في فتواهم ؟!!!

وأقول: بأنَّ قول أبن المنير و غيره لا يخدم فعلهم الشنيع، ولا يجيزه، بل يحرِّمه، فقد جاء في فتح الباري بعد ذكر قوله صلى الله عليه و سلم(وإنَّ النار لا يعذب بها إلا الله):وَقَالَ اِبْن الْمُنِير وَغَيْره :لا حُجَّة فِيمَا ذُكِرَ لِلْجَوَازِ،لأَنَّ قِصَّة الْعُرَنِيِّينَ كَانَتْ قِصَاصًا أَوْ مَنْسُوخَة كَمَا تَقَدَّمَ،وَتَجْوِيز الصَّحَابِيّ مُعَارَض بِمَنْعِ صَحَابِيّ آخَر،وَقِصَّة الْحُصُون وَالْمَرَاكِب مُقَيَّدَة بِالضَّرُورَةِ إِلَى ذَلِكَ إِذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلظُّفْرِ بِالْعَدُوِّ،وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِأَنْ لَا يَكُون مَعَهُمْ نِسَاء وَلا صِبْيَان كَمَا تَقَدَّمَ،وَأَمَّا حَدِيث الْبَاب فَظَاهِر النَّهْي فِيهِ التَّحْرِيم،وَهُوَ نَسْخ لأَمْرِهِ الْمُتَقَدِّم سَوَاء كَانَ بِوَحْيٍ إِلَيْهِ أَوْ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ،...)( ).

يقول إبن بطال: وكان هذا قبل نزول الآية في بيان حكم المحاربين، ثم نزلت آيات الحدود بعد ذلك على النبى (صلى الله عليه وسلم) ونهى عن المثلة فنسخ ذلك حديث العرنيين( ).

وهناك أدلة أخرى لا تجيز التعذيب بالنار، فمنها مارواه مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ الأَسْلَمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّرَهُ عَلَى سَرِيَّةٍ قَالَ: فَخَرَجْتُ فِيهَا، وَقَالَ: «إِنْ وَجَدْتُمْ فلانًا فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ» . فَوَلَّيْتُ فَنَادَانِي فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: «إِنْ وَجَدْتُمْ فَُلانًا فَاقْتُلُوهُ وَلا تُحْرِقُوهُ، فَإِنَّهُ لا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلا رَبُّ النَّارِ»( ).

وهنا يمكننا أن نتسأل: أمام هذا النص الصريح في دلالته على النهي عن التحريق، الذي لا يمكن حمله إلا على التحريم، هل يبقى كلام لأحد كائناً من كان؟ وهل تقوى كل الأقوال، سواء أقوال الصحابة أم غيرهم على معارضة هذا النص الصحيح الصريح؟

وما نُقل عن سيدنا أبو بكر الصديق من أنَّه أمر بحرق ِالْفَجَاةِ السُّلَمِيَّ فهي رواية لا تصح( )،لكون مدار سندها على علوان بن دَاوُدَ البجلي وهو رجل مطعون في روايته، وضعّفه أهل العلم، وأنكروا هذا الأثر.

قال الهيثمي: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ،وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ،وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَهَذَا الأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ( ).

وقال العقيلي: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَ يُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ ،وَلا يُعْرَفُ إِلا بِهِ ،حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ مُنْكَر ُالْحَدِيثِ( ).

ويمكننا القول حتى لو سلَّمنا بصحة الرواية فهو فعل صحابي، و تراجع عنه هو بنفسه، فقال:(وَوَدِدْتُ أنِّي يَوْمَ أُتِيتُ بِالْفَجَاةِ السُّلَمِيّ َلَمْ أَكُنْ أَحْرِقُه ُ، وَقَتَلْتُهُ سَرِيحًا،أَوْأطْلَقْتُهُ نَجِيحًا)( ).

وما ذكر من بعض كتب التأريخ أنَّ الصحابى خالد بن الوليد قام بحرق رأس خالد بن نويرة، فهي رواية باطلة ولا يمكن الإستناد إليها لكي تكون دليلاً على جواز الحرق، لأنَّ فى سندها "محمد بْنُ حميد الرازى" وهو كذابٌ كما ذكره أهل الإختصاص، فقال عنه الإمام إبنُ حِبَّان: "كان ممن ينفرد عن الثقات بالأشياء المقلوبات( )،وقال عنه أبو الفضل العراقي: إنَّه أحد الكذابين( )،حتى وصل به الحال إلى إجماع من ذكر سيرته من أهل الجرح والتعديل على ضعفه في الحديث( ). 

 ونقل إبن قدامه إتفاق الفقهاء على عدم جواز حرق العدو وتعذيبه بالنار، فقال: أما العدو إذا قدر عليه، فلا يجوز تحريقه بالنار، بغير خلاف نعلمه، وأفرد فصلاً مستقلاً في هذا الباب( ).

وقال الإمام البغوي:(( فأما تحريق الكافر بعد ما وقع في الأسر،وتحريق المرتد،فذهب عامة أهل العلم إلى أنه لا يجوز))( ).

فالعجب كل العجب من أنَّهم يتركون حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي منع تعذيب الحيوانات بالنار، ويلجئون إلى الأخبار و الأسانيد الباطلة و التي لا أساس لها من الصحة، فبأي سندٍ لجئوا إلى حرق المسلم بالنار من أجل إشباع رغبة أناس مولعين بالقتل والإجرام، بأسلوب لا يرضاه أي دينٍ سماوي!!!.


6- أما ما إستدلوا به من كلام إبن تيمية من أنَّه قال: إنْ كان في التمثيل السائغ لهم دعاء إلى الإيمان أو زجر لهم عن العدوان فإنه هنا من إقامة الحدود والجهاد المشروع( ).

فهذا إستدلالٌ ليس في محله،لأنَّهم قاموا ببتر كلام الشيخ إبن تيمية و التطاول عليه، وتمام كلامه:(( وإنْ مثَّل الكفار بالمسلمين فالمثله حق لهم فلهم فعلها للإستيفاء وأخذ الثأر ولهم تركها والصبر أفضل، وهذا حديثٌ لايكون في التمثيل السائغ لهم دعاء الى الإيمان وحرزٌ لهم عن العدوان فإنَّه هنا من إقامة الحدود والجهاد))( ).

هنا يتضح أنَّ الكلام في الكافر وليس المسلم .. لكن ننبهه أنَّه ليس التمثيل بهم في القتل،إنَّما مقصد الشيخ إبن تيمية التمثيل بجثثهم ولايجوز التمثيل بجثث الكفار ( إحراقها أو تشويهها) الا إذا فعلو هذا التمثيل بالمسلمين.

يقول الشيخ إبن تيمية:((وأما التمثيل في القتل فلا يجوز)) أي : إحراق الكفار وهم أحياء أو تشويههم أو تعذيبهم حتى يموتوا، ثم نقل بعدها قول عمران بن حصين، فيقول: قال عمران بن حصين: ماخطبنا رسول الله خطبه إلا أمرنا بالصدقه ونهانا عن المثله ... حتى الكفار إذا قاتلناهم لا نُمثل بهم ولانجدع آذانهم ولانبقر بطونهم .. الا أنْ يكونو فعلو ذلك بنا فنفعل بهم مافعلوه، والترك أفضل( ).

 فكلام إبن تيمية واضحٌ بأنَّ التمثيل في القتل لا يجوز ، ومعنى قول عمران : أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لايخطب خطبة الا ويأمر الناس بالصدقه وينهاهم عن التمثيل بجثث الكفار والمشركين .. ولم يجيزها الرسول صلى الله عليه وسلم إلا في حالة واحدة ( إذا مثَّلو الكفار بحثث المسلمين،بتشويهها أو إحراقها ) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم إنَّ الصبر والترك أفضل .

وهنا يتحتم علينا أن ننوه إلى أنَّ إستنادهم  على قول إبن تيمية هو "إستناد باطل" لأنَّ هناك أقوالاً وفتاوى وضعت في التراث الإسلامي تناسب أزمنةَ وضعها، والأحكام الفقهية التي أطلقها ابن تيمية وافقت الزمان الذي وضعت له، حيث أفتى ببعض الفتاوى في ظروف خاصة،وفي حالة حرب بين المسلمين والتتار، ومن المعلوم لدى الجميع أنَّ الفتوى تتغير بتغيير الزمان و المكان، فالفتوى تختلف من موقفٍ لموقف، ومن شخصٍ لشخص، ومن مكانٍ لمكان، وكلامه ليس نصاً من القرآن والسنة النبوية الصحيحة، بل هو إجتهادٌ شخصيٌ صدر منه، إذن فيكيف يمكننا الوقوف عليه أو الإستدلال به.


أما مسألة "حزِّ الرأس وقطعه" بعد الموت، فهي من المثلة المنهية عنها شرعًا،وذلك لعدة أمور، منها:

ما رواه البخاري عن قَتَادَةُ أنَّه قال:(بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ يَحُثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُثْلَةِ)( ).

وقال البخاري رحمه الله:(حدثنا آدَمُ بن أبي إِيَاسٍ حدثنا شُعْبَةُ حدثنا عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ  سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ وَهُوَ جَدُّهُ أَبُو أُمِّهِ، قَالَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النُّهْبَى( )،وَالْمُثْلَةِ)( ).

وكان صلى الله عليه وسلم  يوصي أمراءه بقوله :(لا تَغُلُّوا،وَلا تَغْدِرُوا،وَلا تُمَثِّلُوا،وَلا تَقْتُلُوا وَلِيدًا)( ).

وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ:( مَا قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا إِلا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، وَنَهَانَا عَنِ الْمُثْلَةِ)( ).

والْمُثْلَة والتَّمثيل: هي تشويه الجثة ،أو العقوبة الشنيعة كرض الرأس وقطع الأذن أو الأنف( ).

قال ابن عبد البر:َالْمُثْلَةُ مُحَرَّمَةٌ فِي السُّنَّةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا( ).

وذهب جمهور الفقهاء إلى حرمة المثلة بالإنسان الحي والميْت( )،وقالوا: يحرم التمثيل بالكفار بقطع أطرافهم وقلع أعينهم وبقر بطنهم بعد القدرة عليهم، أما قبل القدرة- أي في داخل المعركة- فلا بأس( )،وهذه الحرمة ثبتت بالنصوص السالفة الذكر،ولشدة حرمة هذا العمل وتنافيه مع تعاليم الإسلام، أكدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم  هذه الحرمة في أكثر من مرة.

قال إبن قدامة: وعليه فإنَّ التمثيل بقتلى العدو غير جائز( ).

ونقل الصنعاني الإجماع على ذلك فقال:(وهذه محرمات بالإجماع)( ).

وقال الزمخشري:(ولا خلاف في تحريم المُثْلة،وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور)( ).

ويدخل في المُثلة: قطع رأس الميت، ويشتد الأمر قبحًا إذا تمَّ حمله ونصبه وعرضه على مجامع الناس ليشاهدوها ،

فقد روى النسائي في "السنن الكبرى" - بسندٍ صحيح كما قال الحافظ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَشُرَحْبِيلَ ابْنَ حَسَنَةَ، بَعَثَاهُ بَرِيدًا بِرَأْسِ (يَنَّاقٍ الْبِطْرِيقِ) إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ بِالرَّأْسِ أَنْكَرَهُ !.َفقَالَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنَا،فقَالَ: أَفَاسْتِنَانًا بِفَارِسَ وَالرُّومِ؟ لا يُحْمَلَنَّ إِلَيَّ رَأْسٌ، فَإِنَّمَا يَكْفِينِي الْكِتَابُ والْخَبَرُ))( ).

وفي "سنن سعيد بن منصور" عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ:( لَمْ يُحْمَلْ إِلَى النَّبـيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسٌ قَطُّ، وَلا يَوْمَ بَدْرٍ، وَحُمِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَأْسٌ ، فَأَنْكَرَهُ)( ).

وقال البيهقي: والذي روي مرسلاً عن أبي نضرة لقي النَّبِـي صلى الله عليه وسلم العدو، فقال:من جاء برأسٍ فله على الله ما تمنى، فهذا إنْ ثبت تحريض المسلمين على قتل العدو،وليس فيه نقل الرأس من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام( ).

وقال سحنون: لا يجوز حمل الرؤوس من بلد إلى بلد ولا حملها إلى الولاة( ).

فكيف بما شاهدناه من لعبٍ وركل للرؤوس بالأقدام؟!! وفي كل مرةٍ نسمع مَنْ أخذ ولديه وهما صغيران إلى داعش ليلهوا برؤوس الناس في صورة ليست من الإسلام أبداً، أو تقومون بحرقها، أو نصبها في طرق الناس وساحاتهم؟ مع التلذذ بسفك الدماء والتمثيل بالجثث، في جرائم تشمئز منها النفوس البشرية، والتي لم تُعرف عبر التاريخ إلا عمن شابههم في الإجرام والإنحراف.

وما ورد أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد حُملت له بعض رؤوس أعدائه، كإتيانه برأس كعب بن الأشرف، أو الأسود العنسي، أو رأس رفاعة بن قيس، واحتزاز إبن مسعود لرأس أبي جهل في غزوة بدر، وحديث (الرجل الذي تزوج امرأة أبيه): فجميع الروايات التي فيها قطع الرؤوس وإحتزازها ضعيفة، ولا يثبت أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم حُمل إليه شيء منها، وإنما الثابت قتلهم فحسب.

وجاء في المراسيل أنَّ هَذَه الأَحَادِيثُ التي روت عَن النبـي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ( ).


أما حديث: ((جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي))( ) فقد عدَّ أهل الحديث أنَّ هذا من خصائصه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، و ذلك أنَّ الرسول قد خُص بإحلال الغنائم وأنَّ رزقه منها بخلاف ما كانت الأنبياء قبله عليه ( ).


وأما عن نشر هذه الأفعال الشنيعة في وسائل الإعلام المختلفة – كما عهد على ذلك داعش - فهذا جرمٌ أكبر، وذلك لأنَّ النبـي صلى الله عليه وسلم كان يُراعي في تصرفاته الجانب الإعلامي، فامتنع عن قتل بعض المنافقين من أجل ألا يَتَحَدَّث النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ( )،فصورة الإسلام في الأذهان أهم من "النكاية بالعدو، فكيف إذا كان القتل بطريقةٍ تثير الاشمئزاز؟!!

ويتضح لنا:أنَّه لم يرد نص شرعي صحيح صريح يدل على جواز ذبح العدو حيًا، أو حرقه، فضلاً عن أنْ يكون سنة نبوية متَّبعة! وأنَّ النصوص وردت بالتفريق بين القتل والذبح، وجعلت الذبح خاصًا بالبهائم.

ولو لم تصرح النصوص نصاً على منع الذبح بالسكين لما جاز فعله لما فيه من مفاسد كثيرة، من التنفير من الدين والصدِّ عنه، وتكثير الأعداء وتأليبهم، فالنظر في مآلات الأفعال معتبرٌ مقصودٌ شرعاً سواء كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أنَّ المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، مشروعاً لمصلحة فيه تستجلب،أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به،ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية، فربما أدى إستجلاب المصلحة فيه إلى المفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم مشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق محمود الغب، جار على مقاصد الشريعة( ).

أين الإحسان في القتل من تصرفات هؤلاء في جرِّ الأسرى وسحبهم، وسبهم، وشتمهم، وإظهار التشفي بهم قبل الذبح أو الذبح، مع الصياح والتهريج وإظهار الفرح و السرور والتلذُّذ بذلك، والمفاخرة به وعرضه على عموم الناس؟

أين المصحلة الشرعية في القيام بحرق الأسرى؟ أترون ما ترتب على أعمالهم الشنيعة من مفاسد كبيرة و تشويهٍ لصورة الإسلام المتزنة بالرحمة !!!

فجميع ذلك من محاداة الله ورسوله بالقتل بغير حق، والإفساد في الأرض، ويكشِفُ عن نفوس مريضةٍ مجرمة، وقلوبٍ قاسيةٍ متحجرةٍ، إتخذت الغلو مطية لها في تنفيذ مآربها ووحشيتها..


يتضح لنا في كل ما سبق: أنَّ هناك نصوصاً صريحة من السنة النبوية لا تجيز ذبح الإنسان أو حرقه، بل تحرِّمه،ولم يثبت بسندٍ صحيح عند أحد من الصحابة أنَّه قام بذبح أو حرق شخص آخر، والقول بمشروعية ما فعلوه مخالفٌ تماماً للنصوص الشرعية و لسماحة الإسلام و لما فيه من تشويه كبير للصوة الحقيقية للإسلام .

وأخيراً نقول: يا رباه !!! هذه هي أعمال داعش، عملوا أعمالاً جعلتِ الولدان شيبا، فقد مارسوا أعمالاً إجراميا تحت إسم الإسلام و شعار التوحيد!!! فقد شوَّهوا صورة الإسلام ، و قاموا بقطع الرؤوس و ذبحها و حرقها،عملوا جرائم بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أعمالاً وحشيةً مجردةً من الإنسانية، ولا يمت للإسلام بصلة، فالإسلام بريء من مثل هذه الأفعال، فهم يتعصبون لجهلهم ويشوّهون بأفعالهم صورة الإسلام الحقيقية، ويجعلون العالم يظن أنَّ أفعالهم عبارة عن الإسلام، والإسلام بريءٌ منهم ومن أفعالهم، فالإسلام لم يحمل رسالة للتخريب والدمار،وإهانة الإنسان،ولكنَّه جاء لخدمة الإنسانية، ومن أجل تحقيق السلام العالمي، والرحمة للبشرية، ولا يَسِعُنا إلا أنْ نقول:اللهم إنا نبرأ إليك مما فعله داعش، ومما أساءوا إلى الإسلام و المسلمين!!!

 فيا من أسأتم إلى الإسلام والمسلمين، وأسأتم تفسير الإسلام ووصفتموه بأنَّه دين القسوة و الوحشية و التعذيب، يا من أخطأتم في فهم نصوص الكتاب والسنة وأقوال الفقهاء، لقد جعلتم الدين الإسلامي دين قسوةٍ و بطشٍ و عذاب و قتل، راجعوا أعمالكم هذه كلها، وانتهوا عنها،وتوبوا إلى ربكم،وارجوعوا إلى رشدكم، وإلى دين الرحمة ،وكُفوا الأذى عن الناس، قبل أنْ يأتي يومٌ لا ينفع مالٌ و لا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم. 



"
 
 
 
  المزيد من المقالات لنفس الكاتب