بسم الله الرحمن الرحيم

 

عنوان الرسالة    : الفلسفة الإشراقية عند صدر الدين الشيرازى

الدرجـة             : دكتوراه

أسم الباحث        : محمد عبد الفضيل عبد العزيز

المشرف            : أ.د / عوض الله جاد حجازى

رقم الرسالة بكلية أصول الدين بالقاهرة 3056

  

الباب الأول : صدر الدين الشيرازي الشخصية والاتجاه .

وفيه ثلاثة فصول :

الفصل الأول   : العصر والملامح الذاتية .

الفصل الثاني   : الخلفية الفكرية لصدر الدين .

الفصل الثالث  :الموقف العام لفلسفة صدر الدين.

الباب الثاني :نظرية الوجود.

 وفيه أربعة فصول :

الفصل الأول  : تأصل الوجود .

الفصل الثاني  : مقولات الوجود .

الفصل الثالث  : وحدة الوجود.

الفصل الرابع  : نظرية المعرفة .

الباب الثالث:تطبيقات النظرية.

 وفيه أربعة فصول :

الفصل الأول  :الوجود الإلهي.

الفصل الثاني  : نظرية العقول .

الفصل الثالث  :الوجود الكوني .

الفصل الرابع  : الوجود النفسي .

ثم الخاتمة مشتملة على أهم النتائج ، ثم ثبت المراجع .

 

ملخص عام للرسالة

المقدمة

أبان فيها الباحث دور الفلسفة الإسلامية في الصمود والتحدي للتيارات والفلسفات المختلفة الموجودة بالعالم ، وجعل لذلك منهجا يتكون من ثلاث زوايا : الأولى – بيان المسائل الفلسفية الموجودة عند فلاسفتنا وبيان نتائجها والعلاقة بينها وبين الفلسفات المعاصرة ، والثانية – فصل القضايا الغريبة عن بيئتنا ووضعها في هذا الإطار ، الأخرى – إبراز التحدي لتلك الفلسفات والتيارات الغربية ، وهذا ما يبرز تأثيرها وفاعليتها في العالم المعاصر ، ومن هنا كان اختيار الشيرازي نموذجا لتطبيق هذا المنهج وذلك لقربه زمنيا من عصرنا ، ثم تحدث عن منهجه في تناول الأفكار وهو منهج يعتمد على التأصيل والمقارنة والنقد ، ثم أبرز خطة الدراسة سالفة الذكر .

الباب الأول : صدر الدين الشيرازي : الشخصية والاتجاه .

الفصل الأول : العصر والملامح الذاتية .

تناول الباحث في هذا الفصل عصر الشيرازي وحياته وأساتذته وتلاميذه ومصنفاته ، وتناول في لمحة سريعة حال الفرس قبل الفتح الإسلامي وأثناءه ، فالفرس كانوا يقدسون الحاكم والأديان المختلفة كانت شائعة ، ولقد ظل هذا الأثر الفارسي على الفرس طويلا ، وحتى يستطيعوا الموائمة بين الإسلام وتطبيقاته الشاملة من جهة وبين الحرية الذاتية في تأويل هذه التطبيقات العامة وتفسيرها تفسيرا خاصا من جهة أخرى اتخذوا التصوف طريقا .

وقد اتسم هذا العصر في الفترة بين نهاية القرن التاسع وبداية العاشر الهجريين بحالة من الضعف والقلق ، وهي الفترة التي استولى الصفويون فيها على البلاد ، وكان لإسماعيل الصفوي (906هـ-1500م) الدور الكبير في فرض التشيع على فارس عن طريق القوة والرهبة ، وفي عصر الشاه عباس الكبير 996هـ ساد البلاد حالة من الازدهار المادي ، ولكن في الوقت ذاته كانت خاوية فكريا في مختلف الفنون ، وهذا ما حدا بالشيرازي إلى اعتزال أصفهان والإقامة في بلدة نائية متفرغا للعبادة واستلهام المعارف اللدنية .

ثم انتقل الباحث إلى الحديث عن شخصية الشيرازي : اسمه وتاريخ مولده ووفاته وأسرته وهجرته من شيراز وأساتذته وعزلته واتصاله بأفكار ابن عربي وتلامذته ومؤلفاته .فهو صدر الدين محمد بن إبراهيم بن يحيى القوامي الشيرازي المعروف بالملا صدر الدين وبصدر المتألهين ، ولم يعرف تحديدا تاريخ مولده والباحث يرجح أنه ولد قبل عام 985هـ 1577م وتوفي عام 1050هـ1640م وقد ولد في أسرة عريقة وهي أسرة قوامي وكان أبوه وزيرا من

وزراء الدولة ، وقد انتقل الشيرازي إلى أصفهان بعد وفاة والده ليتلقى العلم وتتلمذ على  ، بهاء الدين العاملي ، الداماد شمس الدين محمد الحسيني الاستراباذي ، ثم فكر في اعتزال البشر والأرجح أنه فكر في العزلة لغلبة التيار الظاهري والنظرة الارتيابية إلى الفلسفة وممثليها ، وبعد العزلة عاد إلى شيراز ليقوم بالتدريس في مدرسة اللاهوردي خان ، وقد تتلمذ على يديه فئة من التلاميذ المعجبين بفكره من أبرزهم عبد الرازق اللاهيجي ، محمدبن مرتضى الكاشي ، ميرزا إبراهيم ابن الفيلسوف . مؤلفاته: كان الرجل كثير الإنتاج ، ونسبت إليه كثير من الآثار المشكوكة النسبة إليه لهذا اختلفت الآراء بصدد عدد مؤلفاته اختلافا بينا . ومن أهم كتبه : (الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة العقلية)،(الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية في خمس مشاهد) ( المشاعر) ( الرسالة العرشية ) ( مجموع رسائل) (حاشية الشيرازي على إلهيات الشفاء لابن سينا ) ( حاشية على شرح قطب الدين الشيرازي محكمة الإشراق لشهاب الدين السهروردي ) ( شرح على أصول الكافي للكليني ) (أسرار الآيات وأنوار البينات ) (مفاتيح الغيب) ( المبدأ والمعاد ) (رسالة الشيرازي في التصور والتصديق ) ( رسالة في اتحاد العاقل بالمعقول ) ( ديوان شعري )(بالفارسية صه أصل أي الأصول الثلاثة ).

الفصل الثاني : الخلفية الفكرية لصدر الدين .

تناول فيه تحديد مدلول الإشراق وروافد الأفكار الإشراقية وخصائصها ، ثم مناقشة قضية الفلسفة المشرقية عند ابن سينا ، ثم تحدث عن مدرسة أصفهان الفلسفية .

فعن تحديد مدلول الإشراق :أكد أنه الكشف ،أو حكمة المشارقة الذين هم أهل فارس ، وحكمة الإشراق مؤسسة على أمرين : منهج معرفى وهو الكشف ، وحكمة عتيقة أو التراث والسند ، وهو التراث المشرقى لدى المشرقى لدى المشارقة ، ومذهب الإشراق يتأسس على إثبات العقول النورية ، ولا تظهر الأنوار العقلية للنفوس إلا بعد تجردها ، ووظيفة العقول العرضية تدبير الأنواع السفلية ، والطولية مبادئ الأجرام السماوية ، والفلكية تدبير الأجرام .

وعن خصائص الأفكار الإشراقية كما يرى الإشراقيون فهى تآخى المذاهب والآراء على اختلافها، وعدم الإنكار لبعضها البعض ، وعدم الاعتراض على الآخر ، وهذا ما جعل الأفكار المشبوهة تدخل إلى حظيرة الإشراق دون عائق ، ووضح عندهم ظاهرة الاتحاد بين الفلسفات وبين الدين ، واستخدم الإشراقيون التأويل ليوافقوا بين الروافد المختلفة المتعارضة ، ومن أهم المنابع للفكر الإشراقى الأفلاطونية المحدثة الكلدانى الصابئى ، المنبع الهرمسي ، وظهر ذلك جليا في القول بالعقول وتعظيم الأفلاك والأجرام السماوية والمزج بينها وبين النور .

ثم انتقل بعد ذلك إلى مناقشة قضية الفلسفة المشرقية عند ابن سينا ، فتناول الصلة بين السينوية والأفلاطونية المحدثة ، فأوضح أن ابن سينا استمد معرفته الأفلاطونية المحدثة عن طريق الإسماعيلية، وعن طريق الأفلاطونية المحدثة نفذت العناصر الهرمسية والغنوصية إلى ثقافة ابن سينا ، وفى الوقت ذاته كان معجبا أيما إعجاب بالفكر الأرسطى وهذا ما جعل الرجل موزع الولاء ، وخلص الباحث إلى أن ابن سينا كان يتوخى من وراء فلسفته المشرقية أن يسلك طريقا فلسفيا مضادا للأرسطية وقريبا من الأفلاطونية المحدثة ولما تحمله في إهابها من أفكار منتسبة إلى المشرق ، وقد بدا ذلك واضحا في منطق المشرقيين لابن سينا ، والذي هاجم فيه أرسطو هجوما لاذعا ، وهذا ما لانجد له نظيرا في كتبه ، ثم انتقل إلى الحديث عن مدرسة أصفهان تناول فيه فكرة إحياء التراث الفارسي ، وقد بدأت هذه المدرسة مع باقر الداماد ، ثم صدر الدين الشيرازى ثم تلاميذه من بعده ، وكان همها الأكبر إحياء التراث الفارسي القديم والوصول بالأفلاطونية المحدثة إلى غاياتها ، وتنقية التراث الأفلاطونى من شوائب المشائية .

وقد نبتت مدرسة أصفهان فى مناخ شيعى وقد أعلنت في وضوح تحيزها للإمامية الاثنى عشرية .وكذلك لقيت أفكار ابن عربي رواجا واسعا فى الأوساط الشيعية ، ثم تعرض الباحث لشخصية الداماد باعتباره الأستاذ المباشر لصدر الدين فقد تحدث عن العقول ، واعتمد على التأويل وقد اتضحت معالم المذهب أثناء حديثه عن الحدوث ، بأنواعه الذاتى والدهرى والزمانى ، فلايدخرالدامادوسعا فى متابعته للأفلاطونية المحدثة فى القول بحدوث العالم ذاتيا ودهريا ، ويرد الباحث على الدماد ومن تبعه عن طريق إبراز الخلط الذى صنعه هؤلاء بين الفروق الاعتبارية بين الأشياء ، واعتبروها حقائق واقعية وقوعا عينيا مستقلا مستخدمين فى ذلك الرمز و التأويل ، وأن العقول الفورية ما هي إلا تخيلات ابتدعها أولئك الفلاسفة ابتداعا .

الفصل الثالث : الموقف العام لفلسفة صدر الدين الشيرازي

تناول هذا الفصل منهج صدر الدين من خلال إبراز اهتمام صدر الدين بالميتافيزيقا والوجود ، والمنهج والمذهب في فلسفته ، وقدرات العقل وإمكانية المعرفة والتأويل والنقد لمنهجه ، التوفيق بين الإشراقية والمشائية ، ودرء التعارض بين المكاشفات الصوفية والبراهين العقلية ، ثم دخول التشيع في البوتقة الفكرية لصدر الدين ، وموقف صدر الدين من علم الكلام ، ثم مناقشة الباحث للصدر دينيا وفلسفيا .

وقد انتهى الباحث في النقاط السابقة إلى : أن الميتافيزيقا هي نقطة البداية والنهاية في فلسفة الشيرازى ، ومن ثم استقطب الوجود – باعتباره نقطة محورية في الميتافيزيقا – كل اهتمام

صدر الدين ، والجهل بمسألة الوجود يوجب الجهل بجميع أصول المعارف والأركان ، وقد أشاد بالعقل كثيرا وبقدرته على الغوص إلى حقيقة الأشياء ، والعقل الذي يقصده الشيرازي ليس العقل المجرد ولكنه العقل النوراني الذي يبتهل ويتضرع إلى الله سبحانه وتعالى ، وهذا العقل هو وحده الكفيل بمعرفة الوجود ، والفرق بينه وبين كانط فى الانتقال من العقل المجرد أن كانط لجأ إلى العقل العملي لإثبات الأشياء في ذواتها أما الشيرازي فقد لجأ إلى البرهان الكشفي القائم على الحدس .ويوفق بين آراء الفلاسفة والوحى فيقرر أن أقوالهم تحاذي أقوال الأنبياء في القوة والصدق وهذه نتيجة خطيرة جعلته يؤول أقوال الفلاسفة لتتماشى مع النصوص الدينية .

ويقف الباحث مع ادعاء الشيرازي القوة والصدق للإلهامات موقف المناقش الذي أكد أن الآراء مهما بدت قوية فإنها عرضة للتفنييد والأخذ والرد ، وكيف تجعل في قوة وصدق كلام الأنبياء؟

والاتحاد بين العقل والكشف لم يسبق إليه أحد من الإشراقيين حيث جمع بين آراء ابن سينا وابن عربي واليونانيين والقرآن الكريم ، وهذا الاتحاد أدخل التشيع في تلك الدائرة أيضا لكون الأئمة ملهمين – كما يزعمون – ومصادر للكشف البرهاني ، ولا يخرج من هذه الدائرة سوى علم الكلام لأنه ليس كشفا ولا برهانيا .واعتماد صدر الدين على التأويل لتدعيم نظريته في العقل لم يلق قبولا من الشرع ، والفلسفة أيدته ، وهذا ما دعا صدر الدين الشيرازي إلى المزج بين الآراء وهو ما أدى إلى كثرة الأتباع.

الباب الثاني : نظرية الوجود

الفصل الأول : تأصل الوجود

هذا الفصل يبين تأصل الوجود عند صدر الدين ، ومعنى ذلك ومغزاه .

لقد عرض الشيرازي لهذه القضية علاقة الماهية بالوجود ، والموقف الفلسفي من هذه القضية كان موقفا قلقا غامضا ، فالشيخ الرئيس – ابن سينا- قد ترك الوجود والماهية معا في مستوى التأصل العينى ، وهذا الصنيع فعله نصير الدين الطوسي حيث وضع المشكلة ولم يمل إلى جانب ، وكذلك فعل الرازي وابن رشد وتوما الإكوينى ، ولكن صدر الدين لم يرتض هذا الموقف القلق من ابن سينا وأراد أن يحول هذا الموقف إلى موقف حاسم معضد لأصالة الوجود واعتبارية الماهية ، فالموجود هو الوجود بالحقيقة والماهية متحدة معه ضربا من الاتحاد ، وهذا ضرب من التعسف من الشيرازي وبالرغم من اعتناق الإشراقيين للقول بأصالة الماهية فإن الشيرازي خرج عليهم ودافع عن اعتبارية الماهية وأصالة الوجود.

ومن خصائص الوجود عند الشيرازي اشتراك الوجود اشتراكا معنويا وكونه محمولا على ما

  تحته  حمل التشكيك لا حمل التواطؤ، وهو المسوغ لجعل الوجود علة في الواجب ومعلولا في الممكن ، وهذا التصور الذهني ما دام مجرد اعتبار يعتبره العقل فهو غير مقوم لأفراد الوجود الحقيقية والأوصاف المتعلقة بالوجود على اختلاف مراتبه هي ما تسمى بالماهيات ، والوجود بلا شك متقدم على الماهية ، ويخلو الوجود الواجب الأتم الأقدس عن الماهية ، ولقد كان صدر الدين على حساس عميق بأن لهويات الوجودية لا يمكن أن تحصل في الذهن ، فالوجود لا يمكن تصوره البتة ، لأنه ليس بذي صورة صالحة للوقوع في الذهن ، ويلزم من قوله انقلاب الحقيقة ويلزم أيضا أن يترتب على الوجود إذا حصل في الذهن آثاره وأحكامه التي في العين ، وقد اتخذ من المشاهدة مخرجا من هذا المأزق المعرفي ، وهنا يعاين العقل البرهاني الوجود معاينة صريحة .

الفصل الثاني: مقولات الوجود

اهتم هذا الفصل بعرض مقولات الوجود المتأصل وخصائصه ، ونقاطه الرئيسية : الوجود والتشخص ، الوجود والوحدة ، التشكيك في الوجود ، الوجود والجعل ، الوجود والخير ، الوجود والماهية .

الوجود والتشخص: الماهية منافية للتشخص ، ولا يحدث التشخص إلا بالوجود ، فالوجود هو التشخص ، ولا حد للتشخص ولا برهان عليه ، ولكن هذا لا ينفي أن للوجود المفرد المتشخص ماهية بمعنى التحديد الذهني الذي يصطنعه الذهن حين يباشر هذا الوجود.

الوجود والوحدة : الوجود عين ذاته وحدة ، وكل ما يقال عنه أنه موجود يقال عنه أنه واحد والوحدة مستعصية على التعريف ، والواحد يضاهي الوجود وتكرار الواحد مكونا العدد يضاهي ظهور الوجود الواحد في نشآت عديدة ومراتب متفاوتة ، وينتج عن ذلك اتحاد الهيولى والصورة ، ويرفض البرهنة على إبطال التسلسل عن طريق الكثرة ، ويشير الباحث إلى الأثر السينوي على الشيرازي في هذه المسألة ، وهما متأثران بالكندي فى اتحاد الوجود والوحدة .

التشكيك في الوجود : يرى الإشراقيون أن الذات أو الأمر الذاتي مشككا، فما به التفاوت هو عين ما فيه التفاوت والذاتي هو جواهر الأشياء وماهياتها بخلاف المشائين الذين ذهبوا إلى التفاوت فالكامل في الشىء خلاف الناقص فيه ، ومن ثم فأصل الذات فيهما مختلف ، والتشكيك في الوجود لأن الوجود عارض والتشكيك لا يقع إلا على العارض ، وقد أخذ صدر الدين من كل من الموقفين جانبا ونبذ الآخر فقال بالتشكيك في الذاتي ،الذاتي هو الوجود حتى يستطيع تدعيم قضيته الكبرى في تأصل الوجود.

الوجود والجعل:يرى الشيرازي أن المفاض والمجعول أولا وبالذات ليس إلا نحوا من أنحاء

الوجود، وهو مجعول جعلا بسيطا إذ ليس هناك غيره في الأعيان ، ورفض رأى الإشراقيين في قولهم بأن الماهية هي وحدها المجعولة ، والمشائية الذين قرروا اتصاف الماهية بالوجود لأن أثر الفاعل لابد أن يكون أمرا موجودا لا اعتباريا .

الوجود والخير : الخير بالحقيقة كما يرى الشيرازي يرجع إلى الوجود الحقيقي لمتأصل لا إلى الوجود الانتزاعي ولا إلى الماهيات ، فكل ما كان وجوده أتم وأكمل فخيريته أشد وأعلى مما هو دونه، ثم تترتب الخيرات في الوجودات حسب مراتبها الوجودية ذاتها .

الوجود والماهية: يرى الإشراقيون أن لوجود ليس بزائد على الماهية في الخارج ما دام الوجود ليس بذي تحقق عيني خارجي على الإطلاق ، والمشاؤون لم يعنوا بزيادة الوجود على الماهية أن هناك هويتان في الخارج ، بل هناك هوية واحدة يحمل عليها الوجود والماهية معا ، ويرى الشيرازي أن ما في الخارج أمر واحد هو الوجود ، ثم الماهية أمر اعتباري وهي متحدة بالوجود.

الفصل الثالث : وحدة الوجود

وهي نقطة الأوج التي يتأدى إليها منطق النظرية على نحو ضروري ، تناول فيه أسس وحدة الوجود ، أصول النظرية ، مركز الكثرة في النظرية ، روافد النظرية تأثير الغزالي والسهروردي والفارابي ، الأفكار المشتركة بين ابن سينا وابن عربي وتأثيرها في صدر الدين ، ثم الموقف النقدي من وحدة الوجود عند الشيرازي .

فعن أسس وحدة الوجود تحدث الباحث عن الوجودات الرابطة – وهو الوجود المرتبط بغيره – فما المعلولات في حقيقة أمرها إلا روابط تعلقية الذوات بالعلة ، ثم تناول حيطة الوجود وشموله

بمعنى أن الوجود طبقات بعضها فوق بعض ومحيط كل منها بما هو دونه ، مع انقهار وجود الممكنات تحت الوجود الواجب . ثم تحدث عن أصول النظرية : فرق فيها بين الوجود الواجب والممكن ، وأشار إلى أن الواجب بسيط الحقيقة ، وكل بسيط الحقيقة فهو بوحدته كل الوجودات لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وأحاط بها . مركز الكثرة في النظرية : ما دامت الماهيات اعتبارية فالكثرة لا شك تتهاوى وقد أخس صدر الدين بخطر استبعاد الكثرة لاصطدامه مع العقل ومن هنا قررأن الممكنات واحدة مع انبساطها وسرايتها في جميع الموجودات فالتعدد على ذلك أمر اعتباري ، روافد النظرية: يثبت الباحث تأثر الشيرازي بابن عربي في وحدة الوجود حيث جعل من الوجود الظاهر في مجالي الممكنات وماهياتها وجودا مغايرا أو مختلفا عن وجود الواجب أو الوجود الحق ، ولا يخفى أثر الغزالي الذي وضع الأساس لقضية وحدة الوجود في مشكاة الأنوار الذي قرر فيها أن الممكنات ذات وجود مستعار

فمن حيث ذاتها فهي عدم محض ومن حيث وجودها فراجعة إلى الحق الأول ، وكذلك نظرية انقهار الأنوار الضعيفة تحت سطوع النور القوي عند السهروردي ونظرية الوجودات الرابطة تضرب بجذورها إلى الفارابي وكذلك أثر ابن سينا البادي على ابن عربي وصدر الدين وبالأخص عند حديثه عن الماهية والتفرقة بين الواجب والممكن ، ثم توجه الباحث إلى نقض النظرية بين الباحث أن صدر الدين قد تعرض للاتهام بالإلحاد والزندقة من محدثي الشيعة الإمامية وفقهائهم وكذلك الصوفية ولكن الباحث يرى أن في الحكم بالتكفير مغالاة لأنهم يفرقون بين الموجودات من حيث المراتب مع رفض النظرية لكونها عاجزة عن تقديم الحلول لكثير من المشكلات التي تعترضها .

الفصل الرابع : نظرية المعرفة

تناول فيه الباحث المعرفة الحصولية والحضورية وخصائصهما وروافد النظرية وتقييم الباحث لها ، فالمعرفة الحصولية هي التي تنطبع عند العرف صورة علمية إدراكية مماثلة للشيء المعروف الواقع في الأعيان ومحاكية له ، أى حصول صورة الشيء في الذهن . المعرفة الحضورية هي أن يكون الوجود العيني الواقعي للمعرف هو نفس صورته العلمية المعروفة للعارف ، ثم تحدث عن خصائصهما وهي احتياجها إلى صورة ذهنية أو عينية ، اشتمالها على كل الصور الجسمية والنوعية المادية المحيطة بنا مع احتياج المعرفة إلى علاقة بين العارف والمعرف ثم بين الباحث روافد النظرية عند الشيرازي فأشار إلى تأثره بالسهروردي الذي تحدث عن العلم بوصفه ظهورا والظهور هو النور وهو اللفظ الذي استبدله الشيرازي من بعد بالوجود وكذلك الفارابي الذي قسم المدركات إلى قسمين المعقولات البريئة عن المادة والمادة نفسها وأيضا ابن سينا الذي استقى منه أصول فكرته في تساوق الوجود والمعرفة ، وقد أثبت الباحث أن نظرية الشيرازي مثالية لارتدادها إلى الذات وحدها ولكنها ليست مثالية متطرفة كمثالية باركلي الذي ألغى الجوهر المادي من مجال المعرفة .

الباب الثالث : تطبيقات النظرية

الفصل الأول : الوجود الإلهي

اهتم هذا الفصل بالحديث عن الوجود الإلهي وعلاقته بالموجودات الممكنة ، وعن صفاته الكمالية وعلاقتها بالوجود . يلجأ الشيرازي إلى الوجود طريقا للبرهنة عليه تعالى ، فالوجود الممكن به نقص ومن ثم يحتاج في وجوده إلى موجد أتم وأكمل ، ولكن الباحث يأخذ على الشيرازي بناءه الدليل على وحدة الوجود وتأثير الأفلاطونيةالمحدثة في تقسيمها الأشياء إلى ناقص وتام على الشيرازي كان واضحا . ويقرر الشيرازي أن واجب الوجود تعالى لا ماهية له

لأنه تعالى لا يمكن تصوره تصورا ذهنيا وكذلك لابد أن يكون واجب الوجود واحدا وإلا لزم التعدد والتركيب وكلاهما مناف لحقيقة الواجب ، وانطلاقا من فكرة التمام قرر الشيرازي أن كمالات الله لا تتناهى ومعنى كون الصفات عين ذاته أن نعوته الكمالية موجودة بوجود واحد وهو وجود الذات .

الفصل الثاني : نظرية العقول

اهتم هذا الفصل بالحديث عن نظرية العقول عند الشيرازي والكشف عن جذورها الإغريقية والإشراقية تقوم نظرية العقول عند الشيرازي على الاعتراف بوجود طرفين لكل نوع طرف عقلي مجرد قائم بذاته وطرف آخر مادي محسوس ويتساءل كيف يمكن لحقيقة نوعية واحدة أن تحصل في وقت واحد في موطنين متناقضين وهنا يلجأ الشيرازي إلى نظريته في الوجود لجل هذه المعضلة وذلك بجعل الحقيقة النوعية الواحدة البسيطة وجودا واحدا منبسطا على جميع أفرادها فهنا اتفاق في نفس الحقيقة النوعية بين الفرد العقلي والأفراد الحسية ثم اختلاف بينهما في التجرد والمادية بمقتضى اختلافهما شدة وضعفا ويضيف صدر الدين لنظرية العقول بعدا آخر وهو الحركية الغائية فلكل موجود غاية ذاتية تقتضي ذاته التوجه إليها والتحرك نحوها وهذه الغاية الذاتية لابد أن تكون تماما وكمالا لهذا الموجود ومن ثم فكل الموجودات مطموسة في نوره تعالى وباقية ببقائه وهذا خلط كبير من الشيرازي بين العقول والصفات الإلهية وكيف تحولت النظرية من الوثنية عند القدماء إلى الأشعة النورانية عند الشيرازي ؟ وما يرفع التهمة عنه أنه جعل العقول في درجة بين الذات العلية والأشياء ولكن الارتفاع بالعقول إلى هذه الدرجة يجعل الشيرازي متماشيا مع الفلاسفة اليونانيين .

الفصل الثالث : الوجود الكوني

تناول هذا الفصل الحديث عن الفيزيقا عند صدر الدين واستهدف هذا الفصل الحديث عن المادية الجدلية ولدحض التفسير المادي الجدلي لفلسفة الشيرازي فتحدث عن الحركة والزمان والمكان والحدوث والقدم والطبيعة المادية بين الشيرازي والمادية الجدلية أما الحركة فتناولها عند اليونانيين ثم صدر الدين الذي نقل أشهر التعريفات الفلسفية للحركة منها تعريف أرسطو ( أنها كمال أول لما هو بالقوة من حيث هو كذلك ) وأفلاطون ( بأنها خروج عن المساواة ) والحركة كما يرى صدر الدين أمر ذا وجود ضعيف ولابد لها من الامتداد والاتصال ويرى صدر الدين أن الحركة تحصل في الجواهر والأعراض والكون والفساد وفي هذا خروج على الفكر الأرسطي الذي استبعد أن يكون الجوهر متحركا ولا شك في تجدد الأشياء حيث توجد الصورة في آن انعدام الصورة السابقة وبنفس الصيرورة في هذا العالم متحققة في أجرام الأفلاك أيضا

وهذا مخالف للنظرة الفلسفية العامة والزمان والحركة في رأى الشيرازي موجودان بوجود عيني واحد ولا أسبقية لأحدهما في الواقع العيني على الآخر فالزمان هو مقدار لأمور متجددة متقدم بعضها على بعض تقدما ذاتيا ، ويثبت صدر الدين الحدوث وربما كان إثباته هو الهدف الذي يرنو إليه صدر الدين من أبحاثه الطبيعية كلها لاتسامها بالصيرورة والتبدل والحركة ، ورفض الشيرازي قول الفلاسفة بأزلية مصنوعاته تعالى عن النفوس الفلكية وأجرامها وكليات العناصر فالموجودات في حاجة دائمة إلى العلة وإذا كانت الماركسية تهدف إلى إنكار الخالق عن طريق نظريتهم في المادية الجدلية فإن صدر الدين يقرر أن التحول الكيفي لا يتم بطريقة تلقائية ميكانيكية بحتة بل لابد من تدخل من الخارج .

الفصل الرابع : الوجود النفسي

هذا الفصل تناول الباحث فيه نظرية النفس عند صدر الدين وبيان ما لها من وشائج بمثيلتها في فلسفتي ابن سينا والسهر وردي واهتم الباحث بهذه النقاط : صيرورة الجوهر النفسي ، وجود النفس قبل البدن ، الوجود البدني الحادث للنفس ، وجود النفس بعد البدن ، ثم تقييم النظرية .الإنسان في فلسفة الشيرازي له مكانة فريدة وللنفس عند الشيرازي ثلاث درجات فلها كينونة سابقة عن وجودها في الجسم ولها وجود في الجسم ولها بقاء جوهري بعد فناء الجسم ولكل درجة خصائصها ومميزاتها الدرجة الأولى وجود النفس قبل البدن النفس الإنسانية عند الشيرازي هوية واحدة ذات تحققات متفاوتة وأنحاء وجود مختلفة يعتقد صدر الدين اعتقادا جازما أن للنفوس وجودا سابقا على حدوثها في الأبدان وهذا الوجود وجود في عالم العقل ويجزم بأن النفوس قديمة في جميع مراتبها ونشآتها الدرجة الثانية الوجود البدني الحادث للنفس يرى الشيرازي أن اسم النفس غير موضوع إلا لهذا الوجود الإضافي ومن طبيعة المضاف ألا يكون مستقلا منفصلا عن ما هو مضاف إليه والبدن من جهة أخرى مأخوذ في حد النفس والنفس دائمة التحول والتبدل من حال إلى حال وتابع الشيرازي الفلاسفة في القول بثنائية النفس والبدن الدرجة الثالثة وجود النفس بعد البدن زوال البدن لا يعنى فناء للنفس كما يرى الشيرازي بل يعنى على العكس اشتدادا في الوجود وتبدلا في نشآته ودرجاته من درجة الحدوث والمادية إلى درجة البقاء والمفارقة وهذه النفس هي مناط الجزاء وأساس الثواب والعقاب ويخلص الباحث إلى أن في الأبحاث النفسية عند الشيرازي روح الابتكار والتجديد التي وجدناها في أبحاثه الطبيعية بارزة وواضحة .

 

 

الخاتمة

عرض الباحث لمنهجه الذي سار فيه في طيات الرسالة إجمالا وأبان حرصه على مناقشة صدر

لدين  بعض القضايا .

وأوضحت الدراسة أن صدر الدين قد أفاد من مختلف روافد الفكر .

وقد بينت الدراسة أن مذهب صدر الدين مذهب مغلق بمعنى أنه يسوده التحدد والحتمية وقد أدى ذلك إلى أن صار المذهب واضحا في خطواته وتطبيقاته وكذلك سيبعث على التنبؤ بموقف صدر الدين مسبقا وأتاحت هذه السمة أيضا لصدر الدين بسط أصول المذهب وأسسه على ظواهر العالم جميعا وتفسيرها في ضوئها .

 وأبانت الدراسة ضرورة مسايرة الفلسفة الإسلامية لركب العصر الحديث وعدم الوقوف عند حد الميتافيزيقا فحسب ومن ثم فعلى الفلسفة الإسلامية أن تعود إلى القرآن الكريم والسنة الصحيحة فتطرح الأقضية الجديدة من منظورهما ثم تقول كلمتها فيها بعد ذلك وهذا ما يجعل من الفلسفة الإسلامية فلسفة معاصرة تتخطى العصر الوسيط الذي يريد الكثير من الغربيين أن تظل حبيسة فيه .