بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

عنوان الرسالة : نظرية حدوث العالم بين المتكلمين والفلاسفة .

الدرجــــــــــــة : دكتوراه

البـــــــــــاحث : فؤاد خدرجى خليل العقلى .

تاريخ الحصول : 1979 م .

 

 

 


الوصف العام للرسالة

 

جاءت الرسالة فى مجلد واحد من أربع وثلاثين وأربعمائة صفحة،وقد اشتملت على مقدمة ومدخل وبابين وخاتمة

المقدمة :

تناول الباحث فيها: أسباب اختيار الموضوع ، وأهميته ، وخطة البحث ، والمنهج الذى اتبعه فى انجازه

المدخل " فى الوجود ومباحثه " :

وقد احتوى على أربعة مباحث :

الأول : التعريف بالوجود         

الثانى : مراتب الوجود

الثالث : دلالة اسم الوجود         

الرابع : اشتراك الوجود وزيادته

الباب الأول : قدم العالم عند الفلاسفة والمتكلمين

وقد اشتمل على الفصول الآتية :

الفصل الأول : قدم العالم فى الفلسفة الإسلامية

وقد جاء هذا الفصل فى قسمين :

الأول : فى المشرق : " الفارابى – وابن سينا "

الثانى: فى المغرب " ابن رشد وفلسفته فى القدم

الفصل الثانى : من أمثلة الآراء الكلامية التى يلزم عنها القول بالقدم

الفصل الثالث : أدلة الفلاسفة على قدم العالم ومناقشتها

الباب الثانى : حدوث العالم عند الفلاسفة والمتكلمين

الفصل الأول : حدوث العالم فى الفلسفة الإسلامية

وقد احتوى هذا الفصل على ثلاثة مباحث :

الأول : فلسفة الكندى " حدوث العالم عند الكندى "

الثانى : استدلال الكندى على الحدوث

الثالث : تقويم فلسفة الكندى فى الحدوث

الفصل الثانى : حدوث العالم عند المتكلمين

وقد اشتمل على مبحثين :

الأول: طرق من الأدلة الضعيفة ومناقشتها

الثانى : أهم أدلة الحدوث عند المتكلمين

الفصل الثالث : العلم الحديث يؤكد حدوث العالم

الفصل الرابع : الأدلة من القرآن والسنة على حدوث العالم

الخاتمة

وقد اشتملت على : نتائج البحث ، والتوصيات ، المراجع

 

 

ملخص عام للرسالة

قطع الباحث شوطا طويلاً فى التطواف بين الفلاسفة والمتكلمين ، محاولاً أن يستخرج ما عند كل فريق من رأى ، ويستعرض ما لديهم من أدلة على قدم العالم أوحدوثه ،وقد اتضح له أن غالبية الفلاسفة الإسلاميين قائلون بقدم العالم ، والقلة النادرة منهم تقول بالحدوث كالكندى

وقد مثل الباحث لهذه الغالبية بالفارابى ، وابن سينا فى المشرق الإسلامى ، وابن رشد فى المغرب الإسلامى مبينا أن تعبير الفارابى ، وابن سينا عن فلسفتهما فى قدم العالم، تمثل فى نظرية الفيض ، تلك النظرية الأفلاطونية الأصل ، والتى أرادا بها التوفيق - على زعمهما – بين الدين الذى قرر خلق الله للعالم ، والفلسفة الإغريقية التى ذهبت إلى أن العالم أزلى ، ليس له بداية ، قديم قدم علته .

فقالا : إن واجب الوجود ، واحد من كل وجه ، ولا يصدر عن الواحد إلا واحد ، فصدر عنه العقل الأول ، ثم فاض عن هذا العقل الأول ، عقل ثان ، وهكذا سلسلة من العقول يفيض كل منها عن سابقه حتى العقل العاشر وإن هذا الفيض أزلى فالعالم الذى فاض منذ الأزل ، يكون أزليا، وينتهى الباحث من عرض لهذه النظرية عند هذين الفيلسوفين مبينا أنها ما هى إلا مثالا للفشل الدينى والفلسفى معا .

ويتناول الباحث فلسفة ابن رشد فى قدم العالم فيرى أن منشأ ذهابه إلى القول بقدمه ، هو إعجابه الشديد بأرسطو واقتناعه التام بصحة ماجاء به ، فقال معه بالمادة القديمة التى تتحرك من القوة إلى الفعل شوقا إلى الكمال فتنشأ عن حركتها الجواهر المتعاقبة موضوعات وصورا ، فالبارى – فى نظرهما – لم يستحدث شيئا لأن الاستحداث من العدم مستحيل ، طالما أن العدم لا ينتج وجودا .

ويذكر الباحث أدلة ابن رشد على قدم العالم ، ويرى أنها تدور فى فلك الفلسفة الأرسطية ، ومنها:

أن الحادث يستحيل صدوره عن القديم ، لاحتياج ذلك إلى مرجح ، والمرجح إلى مرجح وتسلسل ، فضلا عن ذلك فإن الصدور يقتضى تغيرا فى ذات الله ،وأيضا : قوله: إن الإمكان سابق على وجود العالم فيكون الإمكان أزليا ، فالممكن الذى هو العالم أزلى ، لأن الممكن على رفق الإمكان

ويقدم الباحث بعضا من الردود على أدلة ابن رشد ومنها ما نقله عن الأمام الغزالى : من أن الإرادة الإلهية اقتضت أزلا وجود العالم فيما لا يزال ، فلما جاء الوقت المحدد لذلك وجد العالم بمقتضى تلك الإرادة ، دون حاجة لمرجح آخر غير تعلق الإرادة الإلهية .

وينتهى الباحث من عرض تلك الردود قائلا : وهكذا تتهافت أدلة القدم واحدا بعد الأخر .

ويرى الباحث أنه فى مقابل محاولة الفلاسفة البرهنة على قدم العالم ، كان المتكلمون- وهم فلاسفة بحق - قد أبطلوا هذا القدم بالحجج الدامغة،إذ قاموا بالبرهنة على حدوث العالم بالبراهين القاطعة  ، والأدلة المنطقية التى لا تحتمل الشك ، لأنها تعتمد على المقدمات اليقينية الضرورية.

 فيرى أن دليل المتكلمين – حدوث الجواهر والأعراض - معتمد على أفكار واضحة ، لأنه مبنى على الحس والمشاهدة الصحيحة إلى جانب العقل وضرورياته اليقينية ، فنحن نشاهد أن العالم مجموعة من الأجسام الأرضية والأجرام السماوية ، وما يقوم بهذه وتلك من أعراض ، ويعتريها من صفات ، ويتبدل عليها من أوضاع ، ويتغير من أحوال ، وهذه كلها دلائل الحدوث ، وما دامت الأعراض حادثة ولا يمكن أن تنفك عن الأجسام ولا عنها تنفك الأجسام ، ولا يمكن أن تسبق الأجسام الأعراض ، فالنتيجة الحتمية  : أن الأجسام والأعراض حادثة ، وإذا كان العالم ليس شيئا سوى الأجسام وأعراضها وقد ثبت حدوثها فالعالم كله حادث .

ويذكر الباحث أن من أدلة المتكلمين فى حدوث العالم تلك الطريقة التى اتبعها أمام الحرمين الجوينى فى إثبات حدوث العالم بناء على إثبات حكم الجواز لكل موجودات العالم والجائز محتاج إلى مخصص ، والمحتاج لا يمكنه أن يكون قديما ، لأنه مخصصه أقدم منه ، كما أن التخصيص لا يكون عن موجب بالذات ، بل عن مريد ، وفعل المريد مسبوق بالمريد وبارادته .

ويرى الباحث أن أدلة ابن حزم فى إثبات حدوث العالم هى الصورة المثلى للأدلة التى أقامها المتكلمون فى تلك النظرية ، لانتهائها إلى قضايا ضرورية عند العقل ، لا يرتقى إليها الشك ، ولا تحتمل الجدل ، لأنها قائمة فى الأساس على فكرة التناهى التى هى ثابتة بالحس والعقل ، وهى نفس الفكرة التى اعتمد عليها الكندى فى البرهنة على حدوث العالم . وخلاصة هذه الأدلة فى كلمات موجزة 1- العالم متناه من حيث المساحة 2- العالم متناه من حيث حصره فى العدد 3- تناهى العالم بتناهى زمانه .

ثم ينتهى الباحث بإثبات أن أدلة العلم الحديث مؤيدة لما اعتقده ودافع عنه المتكلمون من حدوث العالم ، وأن قمة الاستدلال ، والقول الفصل فى الموضوع هو آيات الكتاب العزيز الدالة على خلق العالم وحدوثه بعد العدم .

أما الخاتمة : فقد اشتملت على أهم النتائج التى خرج بها الباحث فى بحثه ، وكذا مجموعة من التوصيات والاقتراحات التى يرى الباحث أن فى عملها خدمة لعلم الكلام ، والإسلام .

أولا:ً  النتائج :

الأولى : بين الباحث أن أدلة القدم لا تثبت أمام النقد ، ولا تقف فى وجه المناقشة العلمية الدقيقة ، لأنها مبنية على مقدمات غير يقينية وغير ضرورية مثل : أن قدم العلة يستلزم قدم المعلول ، وإنما ذلك يصح إذا كافأ المعلول العلة ، أو كان صادراً عنها بالضرورة ،أما والمعلول ليس متكافأ العلة ، ولم يكن له كفوا أحدا ، وصدور العالم منه على سبيل الإرادة و الإختيار ، فلا يلزم من قدم العلة قدم المعلول .

وأيضا مثل ابتناء قدم العالم على قدم مادته ، فهذه مصادرة على المطلوب ، فهم يقولون ، العالم قديم ، لأن مادته قديمة ، وكأنهم يقولون : العالم قديم ، لأنه قديم ، ويقولون : لوحدث لسبق بمادته ، فكيف يكون حدوث العالم مؤديا إلى قدمه ؟ هذه مغالطة واضحة ، إن معنى حدوثه هو سبقه بالعدم لا سبقه بمادته ، أى بنفسه .

وهكذا يرى الباحث أن أدلة القدم قائمة على أسس واهية ، وأنها لا ترتقى إلى مصاف الأدلة ، إذ ما هى إلا شبهات ، أو مجموعة من المصادرات والمغالطات .

ويلاحظ الباحث أن قول الفلاسفة الإسلاميون بقدم العالم ، قد ابتعدوا فيه عن تراثهم الأصيل المتمثل فى القرآن الكريم والسنة النبوية ، المصرحين بخلق الله لكل شئ سواه ، وبأن العالم وهو كل ما سوى الله مخلوق بعد أن لم يكن .

ويلاحظ الباحث فى قول الفلاسفة العالم قديم تناقض مع قولهم العالم ممكن ، لأن الممكن – إن وجد- لابد أن يكون حادثا ، لما ثبت أنه لا يوجد إلا بسبب ، فإما أن يتقدم وجوده على وجود سببه أو يقارنه ، أو يكون بعده ، والأول باطل وإلا لتقدم المحتاج على المحتاج إليه ، وهذا يتناقض مع الاحتياج ، ومقارنة المسبب للسبب فى الوجود باطله كذلك ، لأنهما لو تساويا فى مرتبة الوجود كان الحكم على أحدهما بأنه أثر وعلى الثانى بانه مؤثر ترجيحا بلا مرجح وهو محال بداهة ، فتعين الثالث ، وهو أن يكون وجود المسبب بعد وجود سبب ، فيكون مسبوقا بالعدم فى مرتبة وجود السبب ، فيكون حادثا ، إذ الحادث ما سبق وجوده بالعدم ، فكل ممكن حادث فيكف يحكمون على العالم بالقدم بعد أن حكموا عليه بالإمكان ، و يرى الباحث أن حدوث القدم الزمانى مع الحدوث الذاتى هو خرافة ، أرادوا بها أن يوفقوا – بزعمهم – بين الدين : الذى أخبر بالحدوث وأقام عليه الأدلة ، وبين الفلسفة اليونانية : التى قالت بقدم العالم وأزليته ، أقول خرافة : لأن عبارة القدم الزمانى تحمل تناقضا ، حيث إن معنى القدم ، عدم المسبوقية بالعدم ، بينما الزمان هو مقدار الحركة ، والحركة حادثة قطعا ، لأن أفرادها على التقضى والانتهاء ، ووجود الواحد بعد عدم الآخر ، وبراهين حدوث الحركة كثيرة أشهرها برهان التطبيق .

الثانية : يرى الباحث أن أدلة الحدوث قوية ، لأنها تستند إلى مبادئ عقلية ضرورية ، ومقدمات واضحة يقينية –كمبدأ التناهى للمحسوس والمعقول–وتناهى جرم العالم فى مساحته،وتناهيه فى عدده الحاصر له،وتناهى زمانه،لأنه مجموع دورات الفلك،وى ذات أبعاض وكل،فهى متناهية بالضرورة 

فضلا عن أن الحق لا يعارض الحق –بل يؤيده ويقويه– فها هى الأيام تكشف بواسطة العلوم التجريبية ما اهتدى إليه المتكلمون بقولهم من حدوث العالم ، واحتياجه إلى خالقه وموجوده وهو الله تبارك وتعالى .

الثالثة : يرى الباحث أن هناك آثار اعتقادية تترتب على كل من القول بالقدم ، أو القول بالحدوث ، فإن يلزم على اعتقاد قدم العالم اعتقاد بقائه وعدم فنائه ، لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه ، ويلزم على ذلك إنكار اليوم الآخر بما فيه من بعث وحساب ، وثواب وعقاب ، وجنة ونار ، لأن كل هذه الأمور تكون فى اليوم الآخر ، على حين أن اعتقاد حدوث العالم يؤدى منطقياً إلى جواز فنائه وتبدله بعالم آخر ، فإذا أخبر الصادق بحدوث هذا الفناء ، ومجئ هذا العالم الآخر فى هذا اليوم الآخر ، تقبل المؤمن بعقله وقلبه عقيدة البعث فى غير تعارض بين عقله وقلبه

الرابعة : يرى الباحث أن هناك آثارا فلسفية تترتب على كل من عقيدتى القدم والحدوث ، فقد قامت على أساس عقيدة قدم العالم بما تؤدى إليه من أقصى نتائجها من استغنائه عن الخالق ، ومن ثم إنكار وجود الله تعالى ، قامت فلسفات مادية ، صورت الحياة على أنها مادة فقط ، وفهمت الوجود على أنه حسى وحسب ، كالماركسية المادية التى تنكر تفسير الكون بالحقائق الغيبية ؛ بينما الفلسفة المبنية على حدوث العالم ، تفهم الحياة على أنها مادة وروح،والوجود على أنه وجودان : مادى ، وروحى

الخامسة : ويرى الباحث أن هناك آثارا عملية وسلوكية ، وحضارية ، مترتبة على كل من هاتين العقيدتين – قدم العالم ، أو حدوثه – فانطلاق السلوك الفردى والجماعى من قيود الدين ، وانعدام الشعور الدينى بالمسئولية،وبناء الحضارات المادية،دون التفات إلى المطالب الروحية ترتبا على عقيدة القدم ، ومثل الالتزام بالمثل والقيم الدينية والرهبة من الحساب بين يدى الله ، وإقامة الحضارات الروحية جنبا إلى جنب مع الاهتمامات الدنيوية بناء على عقيدة حدوث العالم وفنائه وانتهائه إلى خالقه ليحاسب على التصرفات التى تمت فيه .

التوصيات : وقد تمثلت فيما يلى :

1- يطلب الباحث من علماء الكلام إعادة النظر فى نظرية الجوهر الفرد ، وإعادة صياغتها من جديد ، بحيث تكون اللبنة الأساسية فى تركيب الأجسام هى " الذرة " لا على أنها جزء لا يتجزأ بل على أنها الجزء " الأصلى والأساسى " فى تركيب الأجسام .

وذلك لأن تلك النظرية – نظرية التكوين الذرى للأجسام – تقرر أن عناصر الأجسام مكونة من وحدات دقيقة لا يمكن رؤيتها وفى حالة حركة مستمرة ، ومتشابهة فى الصفات من حيث الشكل والجسم والمقدار ، وهذه النظرية هى المؤيدة علميا . ولما كانت نظرية الجوهر الفرد لدى المتكلمين ، هى التى يرتكز عليها دليل حدوث العالم عند جمهوره ، أقرب إلى النظرية الذرية الحديثة ، من خلال خصائص الحدوث والتكوين ، فإن يجب على المتكلمين أن يعدلوا من هذه النظرية حتى تتطابق مع النظرية الذرية الحديثة .

2- ويقترح الباحث تكون لجنة من علماء الكلام تعاونها لجنة فنية من علماء الكيمياء والفيزياء ، حتى تعاد صياغة نظرية الجوهر الفرد ، بما يتلاءم مع مقدرات العلم الحديث ، ويكون بناء دليل الحدوث العام قائما على أساس واضح من مسلمات العقل

3- يدعو الباحث إلى إعادة دراسة على الكلام بمنهج جديد ، يعاد فيه النظر فى القضايا والمسائل التى يتناولها علم الكلام . 

لأنه لا ينبغى فى العصر الحديث الذى جدت فيه المشاكل الفكرية التى أثارتها الفلسفات الحديثة والمعاصرة من جدلية مادية وبرجماتية ، ووضعية ، ووجودية وغيرها ، أن يظل على الكلام مقصورا على مجموعة القضايا التى كان يتناولها أيام واصل بين عطاء ، وأبى الحسن الأشعرى ، أو حتى أيام الإيجى والتفتازانى ، بل ينبغى لهذا المنهج الذى أدعوا إليه أن يتناول هذه الفلسفات المعاصرة بالمناقشة العلمية ، والنقد المنطقى الدقيق ، ومقابلة الحجة بالحجة ، ومقارعة الدليل بالدليل ، حتى تنهار على رؤوس واضعيها ، كما فعل حجة الإسلام الغزالى مع الفلاسفة فى عصره والسابقين عليه

4- يقترح الباحث على الباحثين والدارسين أن تتوجه جهودهم إلى دراسة نظرية الخلق المتجدد التى بناها الأشاعرة على تجزئة الأجسام والأعراض والزمان والمكان إلى أجزاء لا تتجزأ ، لأنه يرى أن هذه النظرية لم تلق حتى الآن ما هى جديرة من عناية الباحثين فى علم الكلام .