بسم الله الرحمن الرحيم

     

     

عنوان الرسالة   :أصول علم الكلام فى القرآن الكريم

الدرجة           : دكتوراه

اسم الباحث      : يحيي هاشم حسن فرغل

اسم المشرف على الرسالة: أ.د/ عوض الله حجازي.

رقم الرسالة     : بكلية أصول الدين بالقاهرة 2621


الوصف العام للرسالة

جاءت الرسالة في مجلد واحد مكونة من 469 صفحة، وقد اشتملت على مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة وفهارس.

تناول الباحث فى المقدمة أسباب اختياره لهذا الموضوع

الباب الأول: مسائل علم الكلام فى القرآن الكريم

       مدخل تمهيدي: مشكلة النظر العقلي فى القرآن الكريم

       الفصل الأول: دراسة استدلال علم الكلام على وجود الله.

       الفصل الثاني: دراسة استدلال علم الكلام على صدق الرسول.

       الفصل الثالث: دراسة استدلال علم الكلام على المعاد.

       الفصل الرابع: دراسة استدلال علم الكلام بالقرآن الكريم على المسائل التي وقع فيها الخلاف بين المتكلمين.

الباب الثانى: نظرية المعرفة عند المتكلمين.

     الفصل الأول: عرض لنظرية المعرفة عند المتكلمين.

القسم الأول  : طبيعة المعرفة.

القسم الثاني  : أداة المعرفة.

القسم الثالث  : طرق المعرفة.

القسم الرابع  : ميدان المعرفة.

القسم الخامس: إمكان المعرفة.

    الفصل الثانى: نقد نظرية المتكلمين فى المعرفة.

الباب الثالث: الأصول الشرعية وإحياء منهج التسليم.

      الفصل الأول: التجرد من الشك.

      الفصل الثاني: التعرض للمعرفة.

      الفصل الثالث: تلقي المعرفة الإلهية

ثم الخاتمة وفهرس المصادر والمراجع.


ملخص عــام الرسالة

أكد الباحث فى مقدمة رسالته على ضرورة إبراز دور علم الكلام فى وفائه بالغرض الإيجابي من قيامه والمتمثل في تحلية الإيمان بالإيقان، وهذا لا يتم إلا بإبراز صلة هذا العلم بالقرآن الكريم.

أما فى مدخل الباب الأول (مسائل علم الكلام من القرآن الكريم) فقد تحدث الباحث عن مشكلة النظر فى القرآن الكريم، مبيناً مذاهب العلماء والمتكلمين فى ذلك، واستنادهم فيما يذهبون إليه من آيات القرآن الكريم على اختلاف مذاهبهم بين مبطل للنظر وموجب له، وبين موجب له بالعقل وموجب له بالشرع، وانتهى إلى القول بأن القرآن الكريم يرضى العقل فى نزعته إلى الاجتهاد فى الفهم أو يشجعه عليها،  ولكنه لا يقره على دعوى الاستقلال عن مصدر المعرفة الإلهية وهو الوحي فى أي مرحلة من مراحل المعرفة.

وأما فى الفصل الأول: (مسألة إثبات وجود الله) فقد بين الباحث فى التمهيد أنه كان يوجد فى البيئة التي نزل إليها الإسلام من أنكر وجود الله عز وجل، وأوضح أنه مهما يكن القول فى قلة عدد هؤلاء فإن خطورة هذا الصنف من الناس تكمن فى أهمية المسألة التي يتناولونها، وهم من ثم يمكنهم أن يؤثروا بأحداث أنواع أخرى من الانحراف فى العقيدة قد لا تكون من بؤرة إنكار الألوهية، ولكنها تتضامن معها فى هدم الدين. ثم شرع فى استدلال المتكلمين على وجود الله فعرض استدلال المعتزلة وارتكازه على دليل حدوث العالم وطرافته حيث جعل من إثبات وجود الله حلقة تالية لإثبات كونه تعالي قادراً عالماً، إذ من كان كذلك لابد أن يكون موجوداً.

ثم بين استدلال الأشاعرة وارتكازه على دليل الحدوث، ذاكراً نقض الأشاعرة لمسالك المعتزلة من حيث إنهم – فى رأي الأشاعرة – لا يمكنهم إثبات الأعراض على أصولهم، ونقض المعتزلة لمسلك الأشاعرة من حيث إنهم – فى رأي المعتزلة – لا يمكنهم إثبات الأعراض على أصولهم أيضاً.

كما ذكر نقض بعض المتكلمين لبعض أصول هذا الدليل أيضا، إذ يرتكز على بطلان وجود حوادث لا نهاية لها فى الأزل، وإن ذلك لم يتم إثباته.

كما ذكر استدلال الحكماء وارتكازه على دليل الامكان والوجوب، مبيناً أن هذا الدليل إذا لم يأخذ حدوث الممكن فى الاعتبار فإنه يوجه إليه ما وجه إلى الدليل المسمى بالدليل الوجودي فى الفلسفة الغربية من أنه محصور فى نطاق التصور الذهني، أما إذا أخذ فى اعتباره حدوث الممكن بالفعل فإنه راجع إلى دليل المتكلمين، أو يتركب معه، ولا يصبح فى هذه الحالة  صالحاً لمباهاة الحكماء به إنه يستدل بالله لا عليه.هذا وقد أشار الباحث إلى نقد الحكماء لدليل المتكلمين فى حدوث العالم والإشكالات التي أوردها ابن رشد فى ذلك، كما أشار إلى نقد ابن تيمية لدليل الحكماء على نفس الأصول التي ذكرها الحكماء فى نقدهم لدليل المتكلمين، مبيناً أن المذاهب المختلفة لا تستدل بالقرآن على وجود الله إلا أن يكون ذلك من باب الاستشهاد بالقرآن على موافقته لما يذهبون إليه.

وقد عرض فى الفصل الثاني مشكلة إثبات صدق الرسول ممهداً لذلك بذكر مظاهر وجود هذه المشكلة فى البيئة التي نزل إليها الإسلام، ومعالجة القرآن الكريم لها وجهود العلماء والمتكلمين فى شأنها، كما أشار إلى أن كلا من المعتزلة والأشاعرة قد اعتمد على المعجزة كدليل قطعي على صدق الرسول، وبين وجه دلالة المعجزة على صدق الرسول عند كل منهم، ثم إنكار كل منهم على الآخر قدرته على إثبات وجه دلالتها عنده لبعض ما يذهب إليه من أصل كلامي، فالمعتزلة ينكرون ذلك على الأشاعرة لعدم قولهم بالحسن والقبح العقليين وهو لازم عندهم فى إثبات دلالة المعجزة على صدق الرسول، والأشاعرة ينكرون علي المعتزلة لعدم قولهم بالإرادة القديمة وهي لازمة عندهم لإثبات دلالة المعجزة أيضاً. كما أوضح الطريق إلى تصديق الرسول عند ابن تيمية وأتباعه وأنه لا يرتكز على المعجزة.

وأما الفصل الثالث (مسألة إثبات المعاد) فقد تناول مسألة إثبات المعاد، ممهداً لذلك بعرض مظاهر وجود المشكلة فى البيئة التي نزل إليها الإسلام، ومذاهب العلماء فى المسألة: ما بين المتكلمين الذين يذهبون إلى مادية النفس، وأن الحشر يكون بالجسم فقط، ومن يذهب من الحكماء إلى استحالة إعادة الأجسام وأن الحشر يكون بالروح فقط، كما أشار إلى أصول المعتزلة التي بنوا عليها الحشر الجسمانى وارتكازهم فيما يذهبون إليه على أدلة عقلية، بخلاف الأشاعرة الذين ارتكزوا إلي أدلة سمعية.

وأما فى الفصل الرابع. فقد تناول الباحث وجوهاً من استشهاد المتكلمين على مذاهبهم التي اختلفوا عليها بآيات من القرآن الكريم، أظهرت أن المذاهب المختلفة جميعاً كانت حريصة على ذلك، وأنها جميعاً أيضاً كانت تجد من آيات القرآن ما توجهه لتأييد ما تذهب إليه مهما يكن عليه الخلاف من حدة أو تناقض.

وصفوة القول: فقد أظهر الباحث فى هذا الباب بصفة عامة:

1-  استشهاد علماء الكلام بالقرآن الكريم فى المسائل التي لا يقع فيها الخلاف كوجود الله من الإلهيات، وتصديق الرسول من النبوات، والمعاد من السمعيات. وإن كانوا قد اختلفوا في طرق الاستدلال واستشهد كل منهم بالقرآن أيضاً.

2-    كيفية استشهادهم بالقرآن الكريم فى تلك المسائل، وذلك بإبراز مكانة هذا الاستشهاد فى سياق الاستدلال.

3-  مدى تمسكهم بالاستشهاد بالقرآن الكريم فى المسائل التي وقع فيها الخلاف بينهم، مهما تكن عليه درجة هذا الخلاف من الحدة أو التناقض.

وقد تساءل قائلاً: هل كان استشهادهم بالقرآن الكريم قائماً على أسس علمية منهجية تضع القرآن الكريم أساساً أولياً للأسس التي يقوم عليها المنهج؟، أو أنهم اكتفوا بأن يكون القرآن الكريم هدفا للنصرة وموعلاً للاستشهاد دون أن يكون الأساس الأول من الناحية المنجية؟.

* أما الباب الثاني فقد كان جواباً عن السؤال المتقدم لذا فقد عرض لنظرية المعرفة عند المتكلمين فى الفصل الأول ممهداً لدراسة هذه النظرية ذاكراً أهمية الدراسة وفائدتها فى توضيح قضية استناد علم الكلام إلى القرآن الكريم فى منهجه العلمي، ومبيناً أنه لا توجد نظرية إنسانية فى المعرفة في دائرة الفكر الإسلامي، وإنما نظرية المعرفة فى هذه الدائرة نظرية إلهية بمعني أنها لا تتوقف في بحثها لأصل المعرفة وطبيعتها عند الإنسان كمسلمة من المسلمات، وإنما تصف اتصال الأصل الإنساني فى المعرفة بالأصل الإلهي فيها، يستوي فى ذلك الفلاسفة والمتكلمون والصوفية على السواء.

والجدير بالذكر فقد ذكر الباحث أداة المعرفة مبينا أن الاتجاهات فى هذا الموضوع ترجع إلى اتجاهين رئيسيين نجد لهما نظيراً فى الفلسفة الغربية هما:

1-    اتجاه العقليين الذين يتبنون نظرية جوهرية العقل على اختلاف فى التفاصيل.

2-    اتجاه الواقعين الذين يتناولون العقل من الناحية الوظيفية التي يقوم بها.

وفي مجال المتكلمين و جدنا تقديراً كاملاً للعقل باعتباره الأداة لمعرفة الحقيقة، كما  وجدنا اعترافاً بالحس باعتباره أداة الإدراك المحسوسات وصل إلى حد جعل المحسوسات من العلوم الضرورية، بل وصل إلى إطلاق اسم العقل عليه في بعض الأقاويل، وإن الأمر فى ذلك كله لا يستقل فيه الحس بالإدراك وإنما مرجعه إلى العقل.

كما لفت الباحث الأنظار إلى ميدان المعرفة باعتبار تقسيمهم لأصول الشرع إلى ميادين تختلف باختلاف الدليل الذى يصح استعماله فى كل منها، فبين جذور المذهب العقلي الذي يذهب إلي أن الدليل العقلي هو الذى يصلح للاستدلال فى أسس الاعتقاديات وأن المعتزلة جاءوا ليقرروا أن الرسل أنفسهم لم يتوصلوا إلى المعرفة – فى الاعتقاديات – إلا بالنظر فى الأدلة العقلية فلا عرف أنهم رسل إلا بالنظر فيها، وأن الله بعثهم لتنبيه العقل من غفلته، فالمعتزلة يرفضون إثبات العقائد بالدلالة النقلية لأنها فرع على حجة العقل، فلو استدل بشيء منها على الله لكان هذا استدلالاً بفرع للشيء على أصله وذلك لا يجوز، من هنا كان لابد للعقل أن يستقل بالنظر في الحوادث ليعرف أنها محدثة، وأنه لابد لها من محدث مخالف لها هو الله ثم ينظر العقل في أفعاله تعالي ليعلم كونه تعالي  قادراً، عالماً موجوداً واحداً، عادلاً حكيماً، وأنه لا يجوز الاستدلال فى هذه الأصول بالأدلة النقلية إلا من باب إظهار موافقة القرآن لا للاستدلال به.

والأشاعرة يذهبون هذا المذهب نفسه، حيث يتشرطون العلم بمعناه الاصطلاحي فى مجال الاعتقاديات، ومن هنا كان الاستدلال فيها بالدليل العقلي، وأن التمسك بالدليل النقلي إنما يجوز في كل معقول ينحط إثباته عن إثبات الكلام للباري، والمقصود بذلك ما يأتي بعد إثبات حدوث العالم وإثبات وجود الصانع، وكونه عالماً قادراً، مريداً، متكلماً، بل صرح المتأخرون منهم بأن الدليل النقلي المحض لا يتصور، إذ صدق المخبر لابد منه وهو لا يثبت إلا بالعقل فانحصر الدليل المستعمل في أصول العقائد فى قسمين.

1- العقل المحض          2- المركب من العقلي والنقلي.

وبعد عقد مقارنة بين الدليل العقلي والنقلي عندهم من حيث استعمال كل منهما في الاعتقاديات تبين أن الدليل النقلي يتوقف ثبوت صحته وصدقه علي الدليل العقلي، ولا يتوقف الدليل العقلي على الدليل النقلي. وأن الدليل النقلي لا يستقل ، بل لابد من أن يتركب مع الدليل العقلي بينما يستقل الدليل العقلي.

وأن الدليل النقلي مشروط بإثبات الجواز العقلي وإثبات عدم المعارض العقلي بينما لا يذكرون – من حيث منهج البحث العلمي – شروطاً للدليل العقلي.

وأن الدليل النقل يفيد الظن فحسب، بينما يفيد الدليل العقلي اليقين. وأن الدليل العقلي ينفرد بأصول العقائد وأهمها وهي إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع، وكونه عالماً قادراً مريداً متكلماً مرسلاً للرسل، مظهراً للمعجزة على أيديهم ليدل بها على صدقهم، وأما بقية المسائل فليس فيها ما ينفرد به الدليل السمعي إلا تجوزا في التعبير، وذلك لأنه يشترط فيه عدم المعارض العقلي – والجواز العقلي، ولأنه لا يفيد اليقين.

ومن هنا ذهب الأشاعرة إلى أن دلائل علم الكلام كما يقول صاحب المواقف (يقينية، يحكم بها العقل وقد تأيدت بالنقل) فبصريح العقل تم الحكم، وبالنقل يحصل التأييد – مجرد التأييد.

وتجدر الإشارة إلى أن الأشاعرة قد ذهبوا خطوة أعمق مما ذهب إليه المعتزلة في اعتدادهم بالدليل العقلي إذ جعلوا إيجاب النظر العقلي بالشرع – خلافاً للمعتزلة – فكان ذلك نهم تتويجاً للدليل العقلي   لم يصل إليه المعتزلة. أما السلف فكانوا ينظرون للعقل باعتباره طريقاً للفهم، ثم تطور بهم الأمر إلى التوقف عندما كانوا يجدون تعارضا بين الأدلة ثم تطور الأمر ببعضهم إلى التأويل لمناصرة النص الذى يعتبرونه أصلاً.

هذا وقد اشترط المتكلمون – وبخاصة المعتزلة والأشاعرة – فى طبيعة المعرفة فى الاعتقاديات أن تكون فى مرتبة العلم بمعناه الاصطلاحي: أي ما يطابق الواقع ولا يحتمل النقيض، وهم من ثم رأوا أن الدليل العقلي هو الذى يحقق لهم ذلك، فاعتمدوا عليه اعتمادا كاملاً فى المسائل المؤسسة للعقيدة وهي أهم المسائل وأخطرها، واضعفوا من قيمة الدليل السمعي – حتى فى المسائل التي لا يعرف وقوعها إلا منه – إن كان هدفهم النهائي هو نصرةً الدليل السمعي نفسه. وكان فى تقديرهم أن هذا هو الطريق إلى نصرة الدليل السمعي لتوقف ثبوته على الأدلة العقلية، وحسبوا أنهم إن نصروا السمع بالدليل السمعي وقعوا فى الدور الباطل، ثم أظهر الباحث من مناقشة المتكلمين للمذاهب التي تطعن في العلوم الضرورية في الحسيات أو البدهيات  إيقان المتكلمين بإمكان العقل الوصول إلى اليقين، ومن ثم انطلقوا من ذلك بمسيرتهم الحافلة في إثبات العقائد الدينية بالحجج البرهانية.

أما فى الفصل الثاني فقد عرض الباحث نقد نظرية المتكلمين فى المعرفة موضحاً أن العلوم الضرورية التي يري المتكلمون (أنه إليها المنتهي، فإن العلوم الكسبية من العقائد الدينية وغيرها تنتهي إليها ولولاها لم نتحصل على علم أصلا)، كما أوضح أنه بالرغم من الثقة الكاملة التي وضعها المتكلمون فى العقل فإن لديهم إحساساً خفيا بعدم قدرته على العلم الجازم المطابق للواقع الذى لا يحتمل النقيض من حيث ذهبوا إلى اضطرارهم إلى التفرقة بين العلم والجهل بالبديهة أو بسكون النفس، وهما من الأمور التي ترجع إلى الشعور الشخصي الذى لا يمكن الأحكام إليه. وأيضا من حيث أنهم ذهبوا إلي أن تحصل الحكمة النظرية والعملية إنما يكون بقدر الطاقة البشرية. وكذلك من حيث ذهبوا إلى إدراج العاديات في العلوم الضرورية مع تقريرهم نسبيتها وأن الجزم في البديهيات مستند إلى العقل منسوب إليه، وفي هذه الحالة يكون احتمال النقيض قائماً بحسب الخارج لا بحسب المطابقة.

وأخيراً بين الباحث أن البناء العقلي لعلم الكلام وقع في دور أفقد مبرر جوده، كما وقع في دور ثان أفقده مبرر وجوبه.

فقد أثبت في الأول أن علم الكلام قع في دور مؤداه أن معرف الله تتوقف على معرفة الله. وأثبت في الثاني أن علم الكلام وقع في دور مؤداه أن معرفة وجوب النظر تتوقف على معرفة وجوب النظر.وقد خلص من هذا الباب إلى أن إخلاص المذاهب الكلامية للقرآن الكريم ليس موضع شك، لكنهم من ناحية المنهج مروا بمرحلتين:

مرحلة حداثة المنهج وبداياته، وهذه لم يكن المنهج فيهيا قد أتضح، وفي هذه المرحلة ذهب من ذهب إلى الاعتصام بالتسليم للنص اعتصاماً مطلقا... وذهب آخرون إلى نصرة المذهب "بالرأي" ولم يسلم هذا الرأي من أن يكون مرتبطاً بمواقف عملية أو علمية لا ترجع إلي النص بطريقة مباشر..

أما في مرحلة نضج المذهب – فقد ذهب المعتزلة والأشاعرة خصوصاً إلي نصرة النص بالعقل، ومن ثم وقعوا في التضارب أو وقعوا في الاعتماد على الدليل العقلي اعتماداً تاماً لثقتهم في قدرة العقل على الوصول إلى اليقين من ناحية ولاعتقادهم أن التسليم التام للنص تسليماً منهجياً أولياً لا يصلح سنداً قوياً للعقيدة أمام التيارات المناوئة لها سواء جاءت هذه التيارات من داخل النفس المؤمنة، أو من أعداء الدين العاملين على تقويضه. وقد أثبت أن الثقة الكاملة في قدرة العقل على اليقين لا أساس لها وأن العقل يصلح مدخلاً لفهم الشرع، ولا يصلح مرجعاً للحكم عليه.

* أما في الباب الثالث (الأصول الشرعية) فقد تناول الباحث في الفصل الأول قضية التسليم ليثبت أن لها أصولاً شرعية، وأنه يمكن استخلاص منطق خاص بها يقوم على الضرورة العملية والعقل العملي، ويصلح سنداً لها أمام الفكر الإنساني بصفة عامة ولا يقتصر على المؤمنين بصفة خاصة، ومن هنا فالضرورة العملية هي نقطة الضوء التي ثقبت حجاب الشك المظلم، لتدل على ما وراءه من إمكانات اليقين، فالتجرد من الشك يكون عن طريقها، كما أن الاعتصام بالعقائد الدينية برغم زوابع العقل النظري وشكوكه يكون عن طريقها أيضاً.

ولا ريب فإننا في الضرورة العملية نجد أنفسنا في موقف يدفعنا دفعاً لا قبل لنا بتجاهله إلى ممارسة حياتنا والتصرف في أمورنا.... على وجه نستفيد فيه بقوانا الأخرى : العقلية والحسية والوجدانية. وإذا كان لنا أن نشك في قدرة هذه القوة وإمكاناتها، فإننا نجد المنطلق  ثابتاً في الضرورة العملية.

إذن فالضرورة العملية لا تستند إلى قوة من هذه القوي، إن هذه القوي تتهاوي أمام النقد، بينما تقف هي شامخة لترد إلى هذه القوي اعتبارها طالما تقيدت بنطاق هذه الضرورة، أو بما ينبني عليها من الأمور العملية. والضرورة العملية مشتركة بين الإنسان والحيوان لذلك كان لابد لها من شروط أو قيود تجعل منها نوعاً خاصاً بالإنسان هو الذي نقصده هنا: ذلك ألا تتعارض مع الإنسان كإنسان، بمعني : ألا تتناقض مع قواه العقلية والوجدانية والحسية.

وأما في الفصل الثاني فقد أشار إلى أن هذه الضرورة تدفع الإنسان للتعرض لمعرفة الله وذلك عن طريق مرحلتين:

1- أولهما: مرحلة الإنذار.      2- وثانيهما: مرحلة التصديق.

وبين في القسم الخاص بالإنذار أنه تتمثل فيه الضرورة العملية بأقوى مظاهرها إذا نظرت إلى الإنذار لا من حيث هو قضية من قضايا الإيمان، فهذا يأتي دوره بعد، ولكن من حيث هو البداية المنهجية للدخول في الإسلام، وقد طرح صلي الله عليه وسلم عامل الإنذار في أول لحظة من لحظات إعلانه للدعوى العامة دون أن يفتح موضوعات للمناقشة حول أي قضية تمن قضايا الإيمان، قال تعالي "يا أيها المدثر- قم فأنذر" وإذا كانت الآيات الأولي من هذه السورة تبين الإنذار كنقطة البداية في الدعوة ، فإن وصف الرسول الكريم بالنذير البشير في آيات كثيرة من القرآن الكريم يلقي الضوء على كون "الإنذار" هو من الناحية المنهجية أساس الدعوة وركيزتها.

وإذا نظرنا إلى السنة النبوية نري قوله صلي الله عليه وسلم  فيما رواه الشيخان أنه قال "مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتي قوماً فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني فأنا النذير فالنجاء النجاء، فأطاعته طائفة فأدلجوا على مهلهم فنجوا وكذبته طائفة فصبحهم الجيش فاجتاحهم". فالإنذار كان واضحاً قويا شديد التركيز على التخويف من عذاب منتظر يعم الناس والكائنات ولا ينجو منه إلا من يسلم نفسه لدين الله وهو ا لإسلام كما أن التعرض لعوامل تصديق الرسول بعد التعرض للإنذار يدفع المتعرض للتسليم والنطق بالشهادتين.

وأما في الفصل الثالث فقد تعرض الباحث لبيان تلقي المعرفة الإلهية وأن المتعرض لدعوة بعد أن يتعرض للإنذار يدفعه الإنذار – دون إبطاء أو تعويق طبقا لمنطق الإنذار نفسه – إلى التعرض لعوامل تصديق الرسول يجد نفسه  ملجأ إلى التسليم فينطق بالشهادتين كما طلبهما الإسلام، فيصبح مسلماً فيضع بذلك قدمه على أول الطريق طريق تلقي المعرفة الإلهية من مصدرها الذى هو الله تعالي، إلى موردها الذى هو الإنسان بمجموعة قواه الثلاث الإرادية والعقلية والوجدانية صاعداً بذلك من الظن إلى اليقين.

نتائج البحث:

1-  أن علم الكلام – وبخاصة عن المعتزلة والأشاعرة ومن جري جريهم – لم يكن يذهب إلى القرآن الكريم ليستدل به على العقائد الأساسية، وإنما يذهب إليه ليستشهد به على صحة ما يذهب إليه أولاً بالعقل النظري المستقل.

2-  أن ما استند إليه علم الكلام من أن العقل النظري المستقل يمكنه أن يصل إلى اليقين غير صحيح، فالعقل ليس له أولوية على النص.

3-  أن استناد علم الكلام إلى العقل النظري المستقل في أصول العقائد الأساسية أوقعه في الدور الباطل الذى ظن أنه يهرب منه بهذا الاستناد. وهذا يؤدي إلى فقدان البنيان العقلي لعلم الكلام لمبررات وجوده، ومبررات وجوبه على السواء.

4-  أن مبدأ التسليم للنص تسليماً مطلقاً ابتداء .. ليس قاصراً على المسلمين سلفا، وإنما هو موجه إلى الإنسان من حيث هو، وهذا ينفي عنه تهمة الوقوع في الدور الباطل.

وصلي الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم