بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان الرسالـة : مدى انطباق الأفكار الصوفية على الكتاب والسنة

الدرجــــة      :      دكتوراه

اسم الباحــث   : عبدالله يوسف الشاذلى

اسم المشرف علي الرسالة : ا .د / عبد العزيز عبدالله عبيد                   

رقم الرسالة بكلية أصول الدين بالقاهرة  2694 

الوصف العام للرسالة

 جاءت الرسالة في مجلدين ، المجلد الأول مكون من 519 صفحة والمجلد الثانى مكون من   441    صفحة ومقسمة إلي مقدمة وسبعة أبواب وخاتمة وفهارس .

الباب الأول: تعريف الزهد وعوامله وشيوعه                                                  

الفصل الأول : التعريف ومتعلقاته 

الفصل الثاني : البواعث والنظرات

الفصل الثالث : شيوع الزهد بين العلماء

الباب الثاني : مدارس الزهد واتجاهاتها .

الفصل الأول : مدرسة الحجاز.

الفصل الثاني : مدارس العراق .

الفصل الثالث : مدارس الشام .

الفصل الرابع : مدرسة مصر.

الفصل الخامس : مدرسة أفريقيا.

الباب الثالث :  الرسم والاسم والتحول

الباب الرابع : الملامح الصوفية الجوهرية 

الباب الخامس: الأفكار الصوفية المتعلقة بالذات الإلهية.

الباب السادس :أبرز الأذواق الصوفية .

الباب السابع :النفس والوجود.

الخاتمة :وبها أشهر النتائج التي توصل إليها الباحث  ثم فهارس المصادر والمراجع التي رجع إليها الباحث في رسالته .

الباب الأول

تعريف الزهد وعوامله وشيوعه

        بين الباحث أن الزهد الإسلامي قد قام علي أصول  ثابتة من الكتاب والسنة وعمل الرسول صلي الله عليه وسلم وتميز زهاد الصحابة بالصدق في الإقتداء وحسن الإتباع ، بينما شدد نساك التابعين علي التمسك بالمصادر التي تلقوها عن أساتذتهم من الصحابة ، وغلب عليهم حب الأثر ، ومحاكاة المسلمين الأوائل ، وتقليدهم في سلوكهم ، وعلي هذا الدرب سار تابع التابعين كما جاء في أقوالهم ،  ولا خلاف بين الكتاب القدامى كالمكي والقشيرى والغزالي علي صدق هذه الحقيقة ، وقد لخص رأيهم عماد الدين الأرموي في قوله "أرباب هذا العلم هم الذين ورثوا علوم الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ، واقتفوا آثارهم ، وسلكوا طريقهم ، فرفضوا الدنيا وفرغوا عنها ، واجتهدوا في جهاد أنفسهم  حتي وصلوا إلي مقصودهم ، وظفروا بالقرب من معبودهم ، وهؤلاء هم عباد الصحابة وزهادهم من أهل الصفة وغيرهم من التابعين وتابعيهم " وسلم ابن الجوزى وابن تيمية للزهاد بهذا المنبع وإن انتقدوا التشدد في بعض مظاهر الزهد ، كما أرجع الإمام الشيبانى النشاط الروحي في هذين القرنين إلي الكتاب والسنة وأثني كثيرا  علي الزاهدين .

     والمسألة من الوضوح بحيث يسلم بها كل منصف من المسلمين وغيرهم كالدكتور قاسم غني الذي يري أن مفهوم الحياة الروحية كان في بادئ الأمر بسيطا لم يخرج عن حدود القرآن والحديث والتشبيه بالنبي صلي الله عليه وسلم. ويعد الزهاد متشرعة بصورة  كلية يراعون ظواهر الشرع  ولا يعدهم سائر المسلمين أهل بدعة ، ويقرر فيليب حتي أن الكتاب الكريم اهتم بالزهد ووصفه وصفا قويا ، ورغم أن المصدرين كافيان لقيام الزهد إلا أن العوامل السياسية والاجتماعية  أحدثت لدى أرباب الحساسية الدينية نوعا من رد الفعل ، وأثارت ضمائرهم علي المظالم فزهدوا واعتزلوا ، وحاربوا بكل جرأة جميع العواطف المغالية والفرق الخارجة عن المنبع الأصيل للإسلام ، وفي هذا كله رد بليغ علي من يزعم أن الزهد راجع إلي مؤثرات أجنبية.

كما أكد الباحث علي أن الزهد سمة شائعة إذ ارتبطت الحركة الروحية في هذه الفترة بالنشاط العلمي ارتباطا قويا وأصبح كل علم لا يوصل إلي الزهد فهو حمق وغرور، فنراه قد نما حول نور النبوة  في مكة والمدينة ، ثم علي أيدى الصحابة في البلاد التي فتحها المسلمون ، وقد رأينا أنه بفضل بعثاتهم العلمية وبفضل الذين استقروا بتلك الأصقاع انتشر العلم وفاحت روائح الزهد وشذاه ، ومادام الزهد مرتبطا بالعلم والدين فلابد وأن كل دارس للإسلام بعقل وقلب يستدعيه نظره وتدبره إلى إيثار الآخرة على الدنيا ، ومن هنا شاع الزهد بين العلماء  ، كما شاع بين  الساسة وفي قصور الخلفاء ،وأيضا تحقق الوئام بين زهاد الفقهاء وزهاد النساك ، ولم يكن الزاهد محل اضطهاد أو انتقاد لا في فكره ولا في مسلكه ، بل كانوا جميعا محل احترام وتقدير رغم ما قام به الزهاد من توجيه التعنيف واللوم  لكثير من كبراء عصرهم .

الباب الثانى: مدارس الزهد واتجاهاتها

      تناول الباحث فى هذا الباب مدارس الزهد واتجاهاتها مبتدأ بالحديث عن مدرسة الحجاز مبينا أن رجال هذه المدرسة قد التزموا منهجا قويما لا يتغير عما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد تناقله التابعون عن الصحابة ، ومن التابعين إلى تابعيهم ، ويتلخص هذا المنهج إجمالا فى التمسك بظاهر النصوص مع شئ من التأويل ، واعتناق الكتاب والسنة والاحتكام إليهما عند وجود النص وإلا فالاجتهاد ، كما استخدموا الجدل أحيانا ، أما على وجه التفصيل فإنهم سلكوا فى التفسير طريق الشرح بما سمعوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن لم يسمعوا شيئا لجأوا إلى الرأى والاجتهاد ، وأضاف ابن عباس التأويل الذى هو منحة الله للراسخين فى العلم ، ولم يتجاوزوا فى الفقه المنهج الذى أعلنه معاذ بن جبل أمام النبى صلى الله عليه وسلم حين أرسله واليا على اليمن . وتبنى الزهاد هذا المنهج فى كل فروع العلم ، وأضافوا إليه عمل الصحابة والمأثور عنهم باعتبارهم أدرى الناس  فهما للوحى وأكثر الناس معاشرة للرسول صلى الله عليه وسلم، وبهذا يتضح أن منهج هذه المدرسة قد قام على الظاهر من الكتاب والسنة ، ودخل التأويل والاجتهاد والجدل بين بنوده على أيدى الصحابة ، واتسم بالواقعية والتحليل والتقسيم ، كما تحدث عن مدارس العراق (البصرة والكوفة ) وانتهى إلى أن زهد الكوفيين قد اتسم فى كل اتجاهاته بالاعتدال إلا ما كان من أمر المجاهدة فإنهم قد اشتدوا فيها، وبالغ البعض ، ولكنها مبالغات لا تهز الطابع العام ولا تخرجه عن ميزة الاعتدال التى مدح بها زهاد الكوفة  ، والتى كانوا بسببها وبالعلم والاستقامة يشبهون الصحابة فى مسالكهم العلمية والأخلاقية حتى قالوا "كان عمر بن الخطاب فى زمانه ، وبعده ابن عباس وبعده الشعبى وبعده سفيان الثورى " والأخيران من الكوفة وقيل عن علقمة كان أشبه الناس هديا وسمتا بابن مسعود ، وابن مسعود أشبه الناس فيهما برسول الله ، وقد نال أصحاب هذه المدرسة احترام وتقدير العلماء من خارجها وذلك بفضل الاتزان الذى كانوا عليه . ويرى الباحث أننا إذا وقفنا أمام أقوال زهاد مدرسة الشام وأمعنا النظر فى صبغة سلوكهم وجدناه زهدا هادئا لم يجمح فى عاطفة من العواطف ، ولم يبالغ فى مسلك من المسالك ، ورأيناه كالزهد الكوفى فى الاعتدال القائم على العلم والفقه  ، إلا أن الزهد فى الكوفة لم يخل من المبالغة وجموح العاطفة أحيانا ، وكان الاعتدال فيه خطة معتمدة لمحاربة نزعات فكرية واجتماعية شاذة ، أما الاعتدال هنا فقد نشأ من كون الزهد ليس حركة مقصودة واتجاها أساسيا ومنهجا للحياة لأن غالب زهاد الشام علماء  أصلا ككعب  ومكحول والزهرى .

أما مدرسة مصر فقد تميزت عن غيرها بأن(1)  الزهد كان عن ثراء  ، إذ ترتكز هذه السمة على أسس أصلية ترجع إلى الطبيعة الكونية التى يعيش عليها المصريون  وما فيها من خصوبة وثراء برزت فى أوصافها لدى عمرو بن العاص والمقريزى وابن تغرى الأتاكى والمسعودى ، وبصفة خاصة تلك الفترة التى افتتحت فيها مصر إذ كانت على وفرة واسعة ، كما ترجع أيضا إلى طبيعة السكان وما يتصفون به من وجود وقبول لتبدل الصفات .

(2) الأحاسيس والمشاعر : فلقد كان أهل مصر محبون للأسرار ميالون إلى استكناه الخفايا والتحدث عن المستترات ، وقد رقت تلك الحاسة حتى صاروا يخبرون بالأشياء قبل وقوعها وبما يكون ، وينذرون بالأمور المستقبلة.  كما لفت الباحث الأنظار إلى مدرسة أفريقيا والسمات التى انفردت بها عن غيرها من مدارس الزهد السابقة والتى تتمثل فيما يلى :-       (1) الجرأة فى الحق : فشدة الإقتداء بالكتاب والسنة وحثهما على التمسك بالحق وألا يخشى فيه المسلم لومة لائم ربى فى الزهاد عامة وفى المنتسبين إلى أفريقيا بصفة خاصة الجرأة فى الدفاع عن كل ما هو حق ، والجهر به فى كل مناسبة وأمام أى شخص مهما كان سلطانه .

(2) الرقائق والحقائق :- فلم يقف زهاد أفريقيا عند الأشكال التقليدية للزهد وإنما انفتحت آفاقهم الروحية على ما وراءها وتطلعوا إلى المنح والمواهب وتعرضوا لكثير من المذاقات والمكاشفات التى عنت لهم ، وحدثونا عن مسائل معينة هى من صميم البحوث النظرية للحياة الروحية فى الإسلام .

وانتهى الباحث إلى أن الأسباب التى نعت الزهد الأفريقى إلى التطور تكمن فى أن مدرسة أفريقيا قامت على شكل تام بعد أن شق الزهد طريقه فى المدارس الأخرى ، وهذا يؤدى إلى أنها جمعت ثمار الزهد الوارد إليها من الحجاز والعراق والشام ومصر ، وأن هذه المدارس بخبراتها صبت فيها حصيلة تجاربها ، وقد ورث الزهاد الأفريقيون كثيرا من التراث العلمى والروحى الذى نضج عند غيرهم ، فتلقفوه بهممهم وعزائمهم وعواطفهم مما أدى إلى اختصار العامل الزمنى لديهم للانتقال من الأشكال التقليدية إلى الألوان الأكثر تطورا وأرق حسا .

الباب الثالث : الرسم والاسم والتحول

           قدم الباحث الحديث عن الزى لكونه أسبق من ذيوع الاسم وإطلاقه ولاعتماد الاشتقاق عليه فى إظهار كلمة صوفى وللعلماء فيه وجهتين:

 (1) – الأولى: تؤثر الغليظ والخشن 

(2) – الثانية :- تحث على الرقيق والتمتع بزينة اللباس .

       وبعد استعراض الآراء المشهورة فى ذلك ساند الباحث الرأى القائل بأن اللفظة من الصوفى الذى هو ظاهر لبسة القوم ، إذ به يستقيم اللفظ ويصح الاشتقاق والنسبة إليه تدعو إلى التقلل فى المطعم والمشرب كالملبس ، وقد تحمس لهذا الرأى كل من السراج والكلاباذى والغزالى والسهروردى وابن تيمية وابن خلدون وغيرهم وما دمنا نقول بأن التسمية غالبا من الصوف فهى تسمية بما غلب على زى القوم لأن بعضهم كان لا يرتديه والتسمية جائزة لجميع الأفراد بما يبدو على أكثريتهم أو بما يظهر على بعضهم بل وجوز الجوهرى أن يتسمى الجيش باسم قد اشتهر عن واحد منهم فقط . أما متى ظهرت التسمية وصارت علما على بعض السالكين فإن الباحث قد فرق بين مرحلة الإطلاق التى دلل على أنها بدأت فى مطلع القرن الثانى الهجرى وبين مرحلة الاشتهار التى بدأت فى النصف الثانى من هذا القرن ، كما دلل على أنه ليس بصحيح ما قيل : أن اللفظة وجدت قبل الإسلام أو قبل المائتين من الهجرة.وبالنسبة للحديث عن مرحلة التطور والانتقال فإن الباحث يرى أن الفصل بين مرحلة التصوف وبين مرحلة الزهد هو فصل افتراض لا قطعى ، وهذا يعنى أن المرحلة الصوفية ليست مختلفة تماما عن حقيقة الزهد وما تحمل من حقائق ورقائق ، وأثبت فى هذا الصدد أن رياح التطور هبت من المدينة لا من البصرة كما يقول د/ محمد عبد القادر محمود نظرا لأننا رأينا أن المدينة هى المدرسة الأم لبقية المدارس ، وأن الرقائق قد سمعت من أفواه علمائها قبل البصرة والكوفة وغيرها من المدارس .وإذا اتضح أن التطور بدأ مبكرا فى المدينة ثم انتشر فى البصرة فإنه يجب العلم أن أفكار الزهاد عبرت إلى الرحاب الصوفى بواسطة سلاسل جيدة من المعتنقين للمذهب الصوفى ، وعن طريقها نقلت الأذواق إلى رجال الطريق من الصوفية ، واتسعت لتشمل البقاع الإسلامية الشاسعة .وبعد أن صار علم التصوف بمسائله وموضوعه وغايته واضحا وله أنصاره من الرجال فإنهم قد اتجهوا للدعوة إليه ، ولوحظ أن هذه الدعوة قد ابتدأت بالتآليف المختصرة على أيدى شقيق البلخى ثم حاتم الأصم وغيره ،ثم ثنت بالوعظ على أيدى يحى بن معاذ الرازى .

الباب الرابع : الملامح الصوفية الجوهرية

تناول الباحث فى هذا الباب آراء الصوفية فى العلم وفائدته وضرورته ، وبحوثهم فى نظرية المعرفة مبينا أنهم فى دراستهم لهذه النظرية كانوا أعمق ممن سبقهم من الفلاسفة وهم الذين نقلوها من الإطار العام إلى إطار مستقل ودراسة خاصة بها ، وأولوها اهتماما خاصا ، واستعملوا معها لفظة عرف وعارف ومعرفة ، وكانوا فى بحوثهم المتصلة بها أكثر جرأة وتحررا وتجديدا من الفلاسفة المسلمين الذين كلبتهم قوالب الفلسفة اليونانية وطريقتها ، وأيضا فإنهم توسعوا فى مسائل الإدراك ، ولموضوع المدرك ، ومنابع الإدراك ودرجات اليقين وحدوده مما جعل ماسينون يقول عنهم :أنهم النماذج التى تقدم لنا الصورة الحية للمفكرين الكبار فى الإسلام ووافقه فيليب حتى على ذلك .

        وأما عن طبيعة المعرفة وكيفيتها فإنه لا يخفى علينا أن هذه المشكلة الرئيسية التى تصادف علماء المعرفة نظرا لصعوبة التفسير الذى نفهم به حدوث المعلومات فى أنفسنا وانتقالها من المدركات ، وكم بذل الحسيون قديما وحديثا جهودا مضنية لشرح تلك العملية ، وقالوا إنها تتم ديناميكيا ، ولكن العقليين يفندون تفسيراتهم بأقوى منها ، ومن ثم لم يبق لنا إلا أننا نعرف وندرك أننا نعرف ، ولا نعرف كيف ندرك بل علم ذلك متروك إلى الله كما هو الحال عند المسيحيين فى القرون الوسطى وعند المتكلمين وفلاسفة الإسلام ، ومع أن الصوفية سلموا بهذا وأيقنوا أن الوصول إلى تعليل صحيح لطبيعة الإدراك الحسى أمر عسير وكذا العقلى ، ومن باب أولى الذوقى إلا أن إحساسهم بصعوبة منهجهم والعناية به والإخلاص له والاهتمام بخدمته جعلهم يبذلون أقصى جهد لتفسيره وشرحه ، بغية أن يدرك الآخرون أنه ممكن ، وأنه واقع وأن يسلموا لهم به وليقربوه إلى الأذهان ،ولذا رسم لنا الكلاباذى فى صورة لوقوعه وكيفيته اعتمدت على الوجد ، بينما قامت صورة المكى على التبديل الصفاتى ، وقيام صفات الحق بصفات العبد ، واتجه السهروردى وابن عربى اتجاها دينيا نفسيا فقالوا بمعرفة الروح عن طريق وجهها الأعلى المتصل بالله . وانتهى الباحث إلى القول بأن الطابع العام للمعرفة عند الصوفية أنها ذاتية نسبية.

الباب الخامس: الأفكار الصوفية المتعلقة بالذات الإلهية

  وإذا انتقلنا إلى الباب المتعلق بالذات الإلهية وجدنا الصوفية يسلكون مسلك أسلافهم من الزهاد وفي حرب الفرق علي اختلافها  والتصدي للطريق التي عالج بها المتكلمون  مسائل التوحيد ، وقد ساعدهم علي ذلك كثر تعددهم وانتشارهم حتي كانوا هم الحزب الديني القادر علي التصدي للخارجين ، والذي  يملك عددا من الموالين له يستجيبون لتوجيهات شيوخهم ، ويسرعون إلي تنفيذها، واقتضتهم تلك النزعة التي حاربوا بها الأهواء والبدع بصفة عامة كما جاء علي لسان الأنطاكي وأبي حفص  النيسابوري ، وأبي عثمان الحبري ، وقد هالهم ما في مجتمعهم من تشتت وتمزق فراحوا يحاربون ذلك بلا هوادة ، ونالت فرقة المعتزلة عنتا شديدا من الصوفية لميلها الشديد إلي العقل ، ولصبغتها الفلسفية ، واعتناق رجالها لكثير من الأفكار الفلسفية بالإضافة إلي قولهم بخلق القرآن والجرأة في ذم الصحابة ، كل هذه العوامل أثارت حفيزة الصوفية عليهم فحذر منهم الداراني والتسترى وإسحاق بن إبراهيم ، وقد انصب هجومهم علي الفرقة برجالها ومسائلها.

 وفى صدد العلم بالله واستحالة إدراك كنه ذاته يري الباحث أنه إذا كانت الذات المدركة محدودة مقيدة والذات المدركة مطلقة ولا مناسبة بينهما استحال إدراك الكنه ،وأكد أبو يزيد البسطامي والحلاج والغزالي وابن عربى أن كل وسيلة عاجزة عن أن تدرك الذات علي حقيقتها وفي أى زمن وتحت أى ظرف،وبذا اعترف الفلاسفة والمتكلمون ، وترجع أسباب عدم إدراك الكنه إلي أنه لو وقع تحت إحاطتنا لكان في مستوي ذواتنا المفكرة ،ولو كان كذلك لكان أقل منها وهو فوق كل شي وهو الأول والآخر والظاهر والباطن ، وتجدر الإشارة إلي أن جمهور الصوفية قد توقف عن الخوض في مشكلة ( هل الأسماء عين المسمى أو غير ) وبعض قليل هو الذي خاض فيها ، فصرح الكلاباذى والقشيري أن الاسم عين المسمي وإلا كان الحق أزلا بلا أسماء أو كانت الأسماء حادثة ، وأن الله أمرنا بتسبيح اسمه مضافا إلي الله أو الرب ،والذي كلفنا به هو تسبيح الحق لاسمه ، ولو كان الاسم غير المسمي لكانت أحكام المدح والذم والأحكام الشرعية علي الاسم لا الذات .

الباب السادس  :  أبرز الأذواق الصوفية

        عرض الباحث لأبرز الأذواق الصوفية كالمحبة والفناء والشهود متحدثا في البداية عن أصول المحبة  من الكتاب والسنة ثم عرض للمحبين  من الصحابة كسالم مولي أبي حنيفة وعلي ومصعب ثم التابعين وتابعيهم ،وبين أن الصحابة هم الذين غرسوا في رياض الحب أورق أشجاره وفاحت أرواحهم ومشاعرهم بينها ، وقدموا لمن جاء بعدهم صورا للمحبة المقرونة بالآراء النظرية كالمحبة بلا عوض والمحبة المرتبطة بالفناء ، وأيضا فإن الصحابة استعملوا مع الحب الشوق والأنس.

       والمحبة صفة لله وصفة للعبد ، ومحبة الحق غير محبة العبد فهي صفة ثبوتية نفسية دائمة لا تشبه صفة المخلوقين في اعتمادهم علي أسباب متغيرة ومتولدة ومتقلبة ولا تتصف بالبدء ولا بالغاية ونسبة محبته للعبيد نسبة كينونته معهم أينما كانوا في حال عدمهم وفي حال وجودهم لم يتجدد عليه حكم لم يكن عليه ، والمحبة عند الصوفية هي المحبة عن السلف ليست بالآراء ، وأما محبة العبد لله فهي متغيرة ومتقلبة ولها دوافع تثيرها .

وانتقل الباحث بعد ذلك للحديث عن الفناء إذ ذكر أن لفظة الفناء جاءت في القرآن بمعني عام في مقابل بقاء الله ، وتكررت لفظة البقاء في الآيات ليرغب الله العبد فيما عنده من أسرار عرفانية أو نعيم أخروي ، وتمكن أصول هذا الحال في عبارات المتوكل النقي والتفويض والاستعانة والإخلاص واليقين بأنه الفاعل المختار ، وقد ذاق كثير من الصحابة والتابعين هذا الحال حقيقة بلا مصطلح ، وأول خصيصة لحال الفناء هي أنه عبودية شرعية ، فمهما فقد العبد نوعا من التميز والسيطرة علي إحساسه ومهما تلاشي حسا أو وقتا فإنه يظل محفوظا ولا يسقط عنه الوقت الشرعي ، والغالب الأعم أن الحس لا يمحي وهو باق في كامل عبوديته . كما أن الفناء مغاير للنرفانا في الطريق والغاية إذ طريق الفناء شرعي وغايته بقاء مع الله ، والنرفانا لا تقوم علي الشرع ولا تهدف إلي الاتصال بالحق وأما المشاهدة فإن جمهور الصوفية علي أنها تقع للأنبياء وللأولياء ، ولا خلاف بين من جوزها للأولياء ومن لم يجوزها ، لأن من قصرها علي الأنبياء قصد أن المشاهدة الكاملة والجلية ليست إلا لكمل الخلق من المصطفين وبالتالي فلا يمنع وقوعها للأولياء ،ويتفق مع المجوزين في القول بأن العبد إذا انقشعت له الحجب وصفت نفسه استطاع أن  تكشف له أنوار المعرفة الغيبية ، وأن تلمع في قلبه بوارق الأسرار ، ومن هنا فإن المشاهدة ليست رؤية قلبية لذات الحق ، ولكنها عبارة عن ذوق الإيمان وقوة اليقين وحلاوة التوحيد وهي درجات المعرفة الأرقي  فإن قويت واستولت تلك الأسرار علي  القلب مع تعلقها بصفات الله وفعله سميت تلك الحالة بوحدة الشهود الفعلية ، وإن تعلقت بحقائق التوحيد في معانيه الخاصة الذاتية سميت وحدة الشهود الذاتية.

الباب السابع :-   النفس والوجود

      استخدم الصوفية منهجا في دراسة النفس يعد من أدق المناهج وأقواها ، والصبغة العامة لهذا المنهج هو شدة الملاحظة للنفس وعمقها مع التوسع في وصف جوانبها الخفية والظاهرة ،أما اتجاهات الدراسة الصوفية للنفس فتتجلي في الكشف عن الصفاء الفطري الذي هو أصل النفس وإزاحة الحجب التي تكسوه أو تلوثه ، وابتعدوا كما ابتعد السلف عن الخوض في المشاكل الجوهرية والعرضية ،والقدم والحدوث والخلود وعدم الخلود وتحقيقا لغايات الصوفية البعيدة ، والمطالب القريبة في تصفية النفس فإنه قد أخضع النفس لمظاهر التربية سواء كانت عملية كالعبادات أم نظرية كقطع العلائق وفطم النفس عن الهوي والشهوات . وبعدما تجتاز النفس مراحل السلوك العلمية والنظرية تنكشف لها الأستار وتأتيها الموارد تنفعل انفعالا وجديا بمثيرات ربانية ، كما بين الباحث حديث الصوفية عن  الوجود وبواعثه وآثاره مركزا علي أنهم كانوا أسبق من علماء النفس في حديثهم عن الانفعال ، كما انتقل الباحث للحديث عن الحلول والاتحاد ووحدة الوجود مبينا أن الثلاثة ليست في نظر الصوفية القائلين  بها إلا استشعار المعاني الحلول والاتحاد الصوفيين الحكيمين اللذين لم يرو منهما حلول أو اتحاد ذات الحق في العبد وإنما حلول الحقائق والأنوار والأسرار والمعارف في قلب العبد أو اتحاده بها ،ولم يخطر علي بال رجال الطريق حلول الذات في العبد أو اتحاد الذات بذات .

من أبرز النتائج

(1)     تعتبر فترة الزهد هى الفترة التأسيسية الصحيحة للحركة الروحية كلها ، وليس أدل علي ذلك من أن الفضائل وهي أمهات المقامات الصوفية  قد حث عليها الصحابة ثم التابعون وتابعوهم.

(2)     أدرك الصحابة وزهاد التابعين وتابعيهم الصلة بين الزهد والاجتهاد في الطاعة وبين إشراق الحكمة في القلب وتطرقوا إلي الحديث عن القلب باعتباره محلا لهذا النوع من الإدراك فأفصحوا عن تطهيره وسلامته وحذروا من آفاته وعلله ، كما فرقوا بين الخواطر واستعملوا لفظة عرف وعارف ومعرفة.