بسم الله الرحمن الرحيم

 

عنوان الرسالة      : موقف أبى البركات البغدادى من الفلسفة المشائية

الدرجــــة             : دكتوراه

الباحــــث             : أحمد محمد الطيب

المشــــرف           : أ. د / عوض الله حجازى

الأستاذ بالدراسات العليا بكلية الشريعة بمكة المكرمة
رقم الرسالة بمكتبة كلية أصول الدين بالقاهرة ( 2652 : 2653 )

الوصف العام للرسالة

 

جاءت الرسالة فى مجلد واحد من ثمان وأربعمائة صفحة ، وقد اشتملت على مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة ، وقد تناول الباحث فى المقدمة:أسباب اختيار الموضوع ، وبيان أهميته ، وخطة البحث ، والمنهج الذى اتبعه فى إنجازه .

الباب الأول : " أبو البركات البغدادى عصره وحياته " :

فهو حديث عن عصر أبى البركات ثم حياته واعتناقه الإسلام ، وشيوخه ، وتلاميذه ، وكتبه ، ومنهجه فى نقد الفلسفة المشائية ، وقد جاءت هذه الأحاديث فى فصول ثلاثة : الأول : أضواء على عصر أبى البركات ، والثانى : الفيلسوف ، والثالث : منهج أبى البركات فى نقد الفلسفة المشائية .

الباب الثانى : " الطبيعة " :

فقد كان عرضا مفصلا لموقف أبى البركات من أهم المشاكل الفيزيقية فى الفلسفة المشائية ، وهى : مشكلة الحركة ، والمكان ، والزمان . وجاءت فصوله على هذا النحو .

الأول : الحركة ، الثانى : المكان ، والثالث : الزمان

الباب الثالث : " النفس والميتافيزيقا " :

فقد تناول الباحث فيه النفس ، مبينا أنها وإن كانت تبحث عادة فى قسم الطبيعات فى كتب التراث الفلسفى ، إلاّ أنه وجد أبا البركات يدرسها مرة فى الطبيعة ، ومرة فى ما بعد الطبيعة ، وذلك لما فى فكرة النفس من مباحث فيزيقية ، ومباحث ميتافيزيقية ، ولكى لا يحدث تكرار جعل الباحث الحديث عن النفس فى القسم الميتافيزيقى ، وقد تناول الباحث مشكلة الكليات ، والوجود  العام ، والوجود الإلهى ، وكذا الصفات بين أبى البركات وبين المشائين ، وكذا مشكلة الخلق ، ونقد أبى البركات لنظرية العقول عند المشائين ، وقد جاءت هذه الموضوعات فى فصول ثلاث .

الأول : النفس ، الثانى : الميتافيزيقا : "الوجود العام" ، الثالث : الميتافيزيقا : "الوجود الكونى" ، هذا وقد ذيلت الرسالة بخاتمة تضمنت أبرز النتائج التى خرج بها الباحث من بحثه .

 

ملخص عام للرسالة

يتحدث الباحث عن الفلسفة المشائية مبينا أن الحديث عنها ، حديث ذو شعب متعددة النواحى والاتجاهات ، فهى فلسفة إسلامية فى نتائج علم الكلام على مختلف مدارسه ودوائره ، وهى فلسفة إسلامية فى التراث الصوفى الإسلامى بكل ما يزخر به هذا التراث من علوم التخلية والتحلية ، ثم هى فلسفة إسلامية فى ذلك التراث المشائى بكل ما يضطرب فيه من أفكار ونظريات .

ويرى أن الإسلام فى منبعيه الكريمين : كتاب الله ، وسنة رسوله ، قد يرضى عن معظم المضامين الكلامية والصوفية ، ضرورة أن هذين العلمين قد نشأ وترعرعا فى رحابه وعلى هدى من تعاليمه ومقرراته .

أما فيما يتعلق بالفلسفة المشائية أو التيار الفلسفى الأرسطى الوافد من بيئات فكرية غريبة على روح الإسلام وتصوراته وأنماطه العقلية والنقلية ، فإن الأمر قد لا يكون كذلك فيما يتعلق بالاتجاهين السابقين .

ولذا بدا للباحث تساؤل على جانب كبير من الأهمية ، يطرح نفسه بهذه الصورة : هل توافقت هذه الفلسفة مع الإسلام أم انحرفت عنه ؟ وهل نجح الفلاسفة الإسلاميون المنتمون للمدرسة الإغريقية على اختلاف عصورها فى إزالة ما بين فلسفة لعبت الوثنية فى تصوراتها الميتافيزيقية دورا خطيرا ، وبين دين حنيف تنزلت فيه آيات التوحيد من فوق سبع سماوات ؟

ويرى الباحث أن الإجابة على ذلك قد تمثلت فى فكر أبى البركات ، ذلك الذى ينتقد الفلسفة المشائية نقدا شاملا فى الفيزيقا ، والميتافيزيقا على السواء ، فضلا عن ذلك فهو فيلسوف غير متقيد ولا ملتزم إلا بمنهج قد انتزعه من الفلسفة انتزاعا ، ثم هو يؤكد لقارئه أنه باحث عن الحقيقة الفلسفية فى هذا التراث ، لا يبغى عنها حولا وأن له فى ذلك منهجا – وقد ألمع إليه يلتزم ويتقيد به ، ولذا فأبو البركات البغدادى فى هذا الاطار ، خير من يقدم لنا نقدا يشهد لهذه الفلسفة أو عليها ، لأنه نقد ثمتئذ نقد الفيلسوف الخالص للفلاسفة .

ومن هذا المنطلق رأى الباحث أن محاولة أبى البركات فى تقويمه أو نقده للفلسفة المشائية ،محاولة جديرة بالبحث ، فإذا ما وصل بنا هذا الفيلسوف اللا ملتزم بشئ إلا بمنهجه الفلسفى ، إلى أن هذه الفلسفة خاطئة فى معظم اتجاهاتها ، فإن هذا الحكم لابد وأن تطمئن إليه النفس ، ويقر معه قرارها ، وبذلك تغدو محاولة المشائين الإسلاميين للتقريب بين الدين والفلسفة محاولة مشكوك فيها إلى حد بعيد ، وذلك من منطلق أن هذه الفلسفة فى ذاتها يعوزها اليقين وينقصها الاتساق ، ومن منطلق أن هذا الحكم حكم فيلسوف همه الأول والأخير أن تبين الحقيقة الفلسفية فى ذاتها بصرف النظر عما يترتب على ذلك من موافقة أو مخالفة لأي فكر كائنا ما كان هذا الفكر أو ذاك المفكر .

الباب الأول " أبو البركات البغدادى حياته وعصره فقد تناول الباحث فيه عصر أبى البركات البغدادى ، مبينا فى فصله الأول الحالة السياسية،و الثقافية ،و الاجتماعية ، ذاكراً انعكاس هذه الأحوال على أبى البركات وفكره ، وأنه كان ابن بيئته ، وأثراً صادقا يعكس حالة عصره بكل أبعادها السياسية ، والثقافية ، والدينية ، فقد عاش فى بغداد معاصرا للاضطرابات التى كانت تواكب سلاطين السلاجقة حين يتولون أمر السلطنة ويقتتلون عليها ، وقد درس وتعمق فى الثقافات التى كانت تموج بها مدارس بغداد ومكتباتها ، ثم هو ذو طبيعة فيها شئ غير قليل من التأمل الفكرى الحر .

وفى الفصل الثانى تناول الباحث التعريف بأبى البركات ، مبينا مكان وزمان ولادته : والاختلاف الحاصل بين المؤرخين فى الزمان والمكان ، ومتحدثا عن شيوخه وتلاميذه ، ووفاته،ومؤلفاته وفى الفصل الثالث : تناول الباحث منهج أبى البركات فى نقده الفلسفة المشائية ، مبينا أن مقدمة كتاب " المعتبر " – رغم اختصارها وإيجازها – تغدو هنا ذات أهمية قصوى فى التعرف على الاتجاه الفلسفى لأبى البركات ،إذ كانت هذه المقدمة من بين سائر كتبه ومؤلفاته المجال الوحيد الذى صرح فيه أبو البركات بشئ ينم عن اتجاهه ، وفيما عدا هذا لا يكاد يصل الباحث عن الأصول الفكرية لفلسفة أبى البركات ، ولموقفه النقدى ، إلى شئ ذى بال إلا بعد مشقة وعسر شديدين . وقد أشار الباحث إلى أن هذه المقدمة تربط بين أمرين ذوى قيمة كبرى فى التعرف على المنهج الفلسفى عند فيلسوفنا .

الأول : تمثل فى تصوره الشخصى للتاريخ العام للفلسفة وما يترتب على هذا التصور من نتائج

الثانى: منهجه الذى يلمح إليه فى إشارة خاطفة بعد ذلك العرض للنتائج المترتبة على الأمر الأول .

وينتهى الباحث فى هذا الباب بعرض لأهم الأسس المنهجية التى أقام عليها أبو البركات منهجه النقدى من الفكر المشائى ، وقد تمثلت فيما يلى :

1- التأمل الذاتى المعتمد على فكره الشخصى :

فقد اعتمد أبو البركات فى نقده للفلسفة المشائية على هذا الأساس ، الذى يثق فيه ، وغدا لديه معياراً منطقيا يفترق به الصواب عن الخطأ ، ولا يلتبس فيه الحق بالباطل .

2- الاعتماد على الأفكار الواضحة :

فقد كانت هذه الأفكار بمثابة المنطلقات الفكرية عند هذا الفيلسوف ، بل كانت فى بعض الإشكاليات الفيزيقية المعيار الذى على أساسه طرح تصوراته الخاصة ورفض تصورات الآخرين ، كما هو واضح فى عرضه لإشكالية المكان ، واختياره الارتداد إلى المفهوم العامى ، ورفضه للتجربة الحسية ، والتى كانت المنطلق للفكر المشائى فى تلك المشكلة .

3- الرجوع إلى صحيفة الوجود :

وهذا ما أشار إليه أبو البركات فى حديثه عن منهجه النقدى ، مترائيا أن هذه الصحيفة أو النسخة هى محض الحق وصرح الصواب ، إذا وافقها الفكر صح وصدق وإذا خالفها كذب وتهافت ، ويرى الباحث أن هذا ما ألمح إليه أبو البركات وأشار إليه – فى لفتة عابرة – من أنه رجع إلى صحيفة الوجود فى تحقيقه للعلوم واكتشف فى هديها مفاهيم وآراء لم يقل بها أحد من قبله .

وفى الباب الثانى فقد تحدث الباحث عن " الطبيعة " عارضا لأهم المشاكل الفيزيقية ، ومبينا تصور الفلسفة المشائية لها ، وموقف أبى البركات منها ، وقد تناول الباحث فى الفصل الأول مشكلة الحركة فى الفكر المشائى ، من خلال عرض لمفهومها عند قدماء الفلاسفة والذى تمثل فى أنها : الخروج من القوة إلى الفعل فى الزمان ، ويرى الباحث أن هذا المفهوم كان يكفى فى شرح معنى الحركة وتحديده ، لولا أن أرسطو قد رفضه ، لأنه حسبما يرى ، يشتمل على دور خفى ، إذ قد أخذ مفهوم الزمان الذى هو على الاتصال أولا دفعة – فى تعريف الحركة – بينما مفهوم الحركة مأخوذ بدوره فى تعريف الزمان ، لأن الفلسفة الأرسطية تعرف الزمان : بأنه مقدار الحركة ، ولذا فقد توقف كل منها على الآخر فى شرح المفهوم وتحديد الماهية ، ويرى الباحث أن هذه هى الصعوبة المنطقية فى تعريف قدماء الفلاسفة السابق للحركة ، والتى وقفت حجرة عثرة ، حملت أرسطو على أن يدير ظهره لهذا التعريف ، وينبذه تماما ، وجعلته يلجأ إلى تعريفه المشهور عنه للحركة : بأنها كمال أول لما هو بالقوة من جهة ما هو بالقوة " حتى يتفادى تلك الإشكالية .

أما أبو البركات فيرى الباحث أنه ارتضى –منذ البداية– التعريف المنبوذ لدى أرسطو وشيعته ،لأنه يرى أن التعريف المشائى يكتنفه الغموض ، وأن أخذ مفهوم الزمان فى تعريف الحركة ، لا يشكل لديه أى عقدة منطقية ، تغض من قيمة تعريف قدماء الفلاسفة ، ولذا فهو يلجأ هنا لشجب هذا الإشكال المنطقى إلى الارتداد المنهجى الذى زعمه من قبل ، وهو الفكرة العامة السائدة لدى الجمهور من الناس ، ويرى الباحث أنه كان فى إمكان أبى البركات إزالة هذه الإشكال المنطقى دون أن يلجأ إلى قيمة الفكرة العامة السائدة فى منهجه ، بل على أساس آخر فى فلسفة هو أن تعريف الزمان عند فيلسوفنا له مفهوم يختلف تماما عن مفهومه عند المشائين ، فالزمان فى فلسفة أبى البركات ، مقدار الوجود لا مقدار الحركة كما يرى المشاؤون ، وبهذا المفهوم الجديد تنفصم العلاقة الضرورية بين مفهوم الزمان ومفهوم الحركة ، فلا يكن كل منها جزء حد فى تعريف الآخر ، وبالتالى يمكن لأبى البركات أن يقضى على فكرة الدور فى تعريف قدماء الفلاسفة ولكنه قد ترك هذا ليرتقى إلى منهجه ويرتبط به ارتباطا وثيقاً .

ثم يتناول الباحث مسألة وجود الحركة ، مبيناً أنه بالرغم من أن ظاهرة الحركة مما لا يستطيع الحس إنكارها أو الشك فيها بحال ، إلا أن العقل حين يعمد إلى تحديد مقومات الحركة ورصد أجزائها فإنه لا يلفيها إلا سلسلة من أمور عديدة  متأبية على الاجتماع معاً فى وجود خارجى ، مبيناً أن أساس الإشكال ، هو ظاهره التقضى والزوال المستمر القائم فى لبها ونسيجها الداخلى ، وذلك لأن المظاهر الوجودية للحركة – فى المكان مثلا – ليست إلا المماسة والزوال ، والمماسة سكون والزوال أمر عدمى ، فأين المقومات الوجودية للحركة إذن ؟ وهنا يذكر الباحث أن هذا الإشكال – على سبيل الظن – هو ما حمل الشيخ الرئيس على أن يميز فى الحركة بين معنيين : معنى قطعى ، ومعنى توسطى ، والمعنى الأول : غير موجود فى الخارج وإنما هو محض تصور ذهنى لا يتمثل فى واقع ، أما المعنى التوسطى فى الحركة فهو المعنى الموجود المتحقق فى الخارج .

أما أبو البركات فإن الحركة عنده موجودة وجوداً خارجياً حتى فى معناها القطعى ، لأن مقومات الحركة لديه ذوات ووجودات خارجية ، وهنا يبين الباحث نقد أبى بركات للتفرقة المشائية بين حركة قطعية وحركة اتصالية،مبيناً تناقض ابن سينا ، فى انكار وجود الحركة بالمعنى الأول ، وفى ذات الوقت يرى أنها فى الزمان ، والحركة عنده محل الزمان وعلة له ، ثم إن الزمان عنده أمر موجود فى الخارج ، إذ هو المعنى المتصل المنقسم إلى السنين والشهور والأيام والساعات ، ولذا يتسائل أبو البركات قائلاً : أفلا يكون إنكاره للحركة القطعية ثمتئذ إثباتاً لأن يكون العدم محلاً للوجود وعلة له .

وينتهى الباحث  إلى أن أبا البركات لا يرى فى الحركة معنى قطعياً ومعنى توسطيا ، وإن الحركة عنده موجودة على نحو ضعيف من أنحاء الوجود، والذى ينبغى أن يفهم عن مفهوم الحركة هو : الوجود القار الثابت ، أما مطلق الوجود فإن أحداً لم يكابر بنفيه . ثم ينتقل الباحث إلى فصله الثانى " المكان" مبيناً أن إشكالية المكان من المشاكل الفلسفية التى لا تكاد توضع على بسائط البحث حتى تستحيل إلى معنى معقد غامض كل الغموض ، فلا يكاد التحليل العقلى يستثبت طرفا من مشكلة المكان حتى تشعبت به الاتجاهات إلى مشاكل أخرى أشد غموضاً وأثرى جدالا ومناقشة من مشكلة المكان ذاتها ، وهنا لا يجد العقل مفراً ، إذا ما ألقى نفسه فى معنى المكان من أن يلقى نفسه فى مشكلة الخلاء ومشكلة اللانهاية . ويعرض الباحث لموقف أبى البركات مبيناً أنه لم يقف طويلا أمام فكرة المكان ذاتها ،بل دلف منها إلى فكرة الخلاء مباشرة ، لأن هذه النظرية تمثل لب نظرية المكان عنده ، وعلى سمة منهجه يبدأ أبوالبركات بعرض التعريفات التى تناولت مفهوم المكان،مبيناً التعريف الأرسطى الذى يحد المكان:بأنه السطح الباطن من الجسم الحاوى المماس للسطح الظاهرمن الجسم المحوى،وكذلك التعريف الأفلاطونى الذى يحد المكان:بأنه"الباطن من الحاوى بأسره الذى يمتلئ بما يملؤه ويخلومما يخلو منه فيبقى خلاء"

ويرى الباحث أن أبا البركات منذ بداية الطريق – ينحو نحو المذهب الأفلاطونى فى هذه الإشكالية ، فهو يرى أن المكان بعد خال ،أو هو الفراغ الثلاثى الأبعاد ، أو قل خلاء له طول ، وعرض ، وعمق ، وهنا تلتحم فكرة المكان مع فكرة الخلاء ، ومن ثم جنح فيلسوفنا إلى مشكلة الخلاء ، وانتقل إليها بالحديث انتقالا مباشراً ، إذ سوف تشكل حجر الزاوية فى نظريته عن المكان .

وهنا يذكر الباحث أن هذه الفكرة قد عارضها أرسطو – والمشاؤون – معارضة صريحة واضحة ؛ بينما انتمى إليها أبو البركات فى قوة وعنف بالغين ، وهو فى هذا يقف على آثار جالنيوس ، ومعظم الأفلاطونيين المحدثين ، ثم يحيى النحوى الذى يعتبر رائدا وملهما لأبى البركات فيما يتعلق بهذا الأمر .

وهنا يعرض الباحث بمزيد من التفصيل لموقف المشائين من فكرة الخلاء ، مبينا اعتماد الموقف الأرسطى فى هذه الفكرة على استدلالات نظرية واستدلالات تجريبية ، وهما لونان ، وإن كانا يختلفان من حيث المنهج ،   إلا أنهما يلتقيان على أمر واحد فى المحصلات النهائية ، أعنى الالتقاء على رفض الخلاء واستحالته . ويقدم الباحث عرضا تفصيلياً لأدلة المشائين النظرية على نفى الخلاء ، موضحا موقف أبى البركات منها ، ومصورا نقده لها ، والتى اعتمد فيها على أن هذه الأدلة ، تفقد الفكرة المنطقية ، أو أن إبطال الخلاء يتناقض فى ذات الأمر مع المقاييس المشائية .

وكذلك يقدم الباحث عرضا تفضيلا لأدلة المشائين التجريبية ، والتى تمثلت فى أدلة : التخلخل والتكاثف ، والنمو والذبول ، ودليل القارورة التى امتص ما بداخلها من الهواء ،ذاكرا أن هذه الأدلة وإن كانت تعتمد على خطوات ذات طابع تجريبى بحت ، إلا أن معطياتها ونتائجها قد ظلت ذات طابع نظرى احتدم حوله الجدل وتباينت معه وجهات النظر والخلاف ، ومبينا موقف أبى البركات منها ونقده لها بشئ من التفصيل وينتهى الباحث من عرض لهذه الأدلة إلى القول : بأنا لا نعرف فى تاريخ الفلسفة الإسلامية ، - قبل أبى البركات – نقداً شاملاً يستقصى شوارد الأدلة التى طرحها المشاؤون لبيان استحالة الخلاء ، كما لا نعرف فى ذات الوقت دفاعا عن أصحاب فكرة الخلاء يقوم على أساس متين من المنطق والعقل مثل هذا الذى اضطلع به فيلسوفنا فى هذا المضمار ؛ ثم ينتقل الباحث إلى عرض مشكلة النهاية واللانهاية فى المكان ، مبينا أن رأى المشائين ينحصر فى أن فكرة " اللانهاية " مرفوضة من الأساس فيما يتعلق بمشكلة المكان ، وهنا يتسق الفكر المشائى مع ذات نفسه إتساقاً كاملا ، إذ ما دام المكان وثيق الصلة بمعنى الجسم ، وكانت الأجسام والمقادير كلها عندهم متناهية ، فليكن المكان متناهيا ، وليكن اللاتناهى فى المكان أمراً لا سبيل إليه ؛ وهنا يعرض الباحث لأدلة المشائين التى استندوا إليها فى تزييف فكرة اللاتناهى ، وبيان موقف أبى البركات منها . وينهى الباحث متسائلا : هل إستطاع أبو البركات أن يقدم دليلا عقليا حين ارتضى القول باللانهاية ، ويجيب بالنفى القاطع ، ذاكراً أن كل ما استطاعه هنا فى هذا المقام ، إنما هو انتزاع الأساس العقلى من الأدلة المشائية التى ناقشها ، وربطها بالتوهم بدل العقل ليتكافأ الأساس الذى قام عليه استنتاجه مع الأساس الذى أقام عليه استنتاج المشائين ، ثم المحاولة التى وقف بها فى وجه الاستنتاج المشائى والتى ربط فيها بين العقل والوجود من ناحية ، والمنطلق الذى أقام عليه هذه المحاولة من ناحية أخرى ، وذلك حتى يتسنى له أن يغضى كثيراً أو قليلا من قيمة البراهين المشائية ، وليتسنى له آخر الأمر ابقاء القضية فى معنى الأولية أو الضرورة العقلية أو الوهمية ، إذ الأمرين عنده سواء .

ومهما يكن من أمر هذا النقد ، فالذى لاشك فيه أن أبا البركات بانتمائه إلى فكرة الفضاء الثلاثى الأبعاد ، واللانهائية ، أول فيلسوف نلتقى به فى الفلسفة الإسلامية على هذا النمط الفلسفى الدقيق فى الدفاع عن هذه المشكلات التى يرضاها ، وينتمى إليها . فضلا عن أننا إذا أردنا التعرف على المحاولة العقلية المنظمة لنقد الفيزيقا الأرسطية فى الفلسفة الإسلامية ، أو التعرف على المنهج النقدى المتكامل الأبعاد فى هذا المضمار ، فإن أبا البركات بما قدمه لنا من نقد لفكرة المكان، والخلاء ، والنهاية ، يغدوا نموذجا رائعا فى هذا الباب .

أما الفصل الثالث فإن الباحث يعرض لإشكالية الزمان ، مبينا أنه من أعقد القضايا الفلسفية ، فهو بمفهومه الفلسفى البحت قد أنشب علاقة بأهم المشكلات الفيزيقية : كالحركة ، والمكان ، والتغير ؛ والميتافيزيقية :       مثل نشأة الكون ، واللانهاية ، وما ينشئ عنها من مباحث تمس قضية الألوهية  ، وعالم ما وراء الطبيعة .

وقد عرض الباحث هذه المسألة عند أرسطو وابن سينا ، مبينا أبرز قسمات الموقف الأرسطى فيها ، وأنها بمجموعها تعتمد على تجسيد العلاقات والروابط بين تصور الزمان وتصور الحركة .

وينتقل الباحث لعرض موقف أبى البركات من تلك الإشكالية ، مبينا أن أول سمات هذا الموقف أنه ينهج نهجاً مغايرا للمنهج الأرسطى والمشائين من بعده ، من حيث انتساب مشكلة الزمان إلى مجال الفيزيقا ، ذلك أن دراسة الزمان عند أرسطو هى من صميم المسائل الفيزيقية ، فالزمان هو مقولة تلى مقولة المكان ، أما عند أبى البركات فالأمر على خلاف ذلك ، إذ الزمان عنده مشكلة تنسب إلى عالم الفيزيقيا انتسابا ما ، ولكنها تنسب إلى عالم الشعور الذاتى انتسابا أمكن وأدخل .

ويرى الباحث أن أبا البركات بتصوره هذا للزمان  ، قد أضاف إليه بعدا سيكولوجيا جديداً لم نجد له ظلاً عند أرسطو والمشائين من بعده – لا يستثنى منهم أحد – أولئك الذين استخلصوا صفات الزمان ، ابتداء من صفات الامتداد ، والمكان ، ولهذا جاءت الصورة التى أعطاها أرسطو للزمان صورة مادية آلية قد سلبت كل حيوية عنه. أما أبو البركات فقد مال بالزمان كله وانحاز به إلى جانب الشعور ، حين ربطه ربطا وثيقا بمعطيات هذا الشعور التلقائى المنبثق من النفس . وفضلا عن ذلك فإن الباحث يرى أن أبا البركات أضاف بعدا ميتافيزيقيا جديدا حين يربط الزمان بمفهوم الوجود لا مفهوم الحركة ، ومن ثم يغدو بحث الزمان عند أبى البركات فى القسم الطبيعى ، جانبا سلبيا فقط ، أى جانب نقدى حاول فيه فصم العلاقة الحتمية التى أقامها المشاؤون بين الزمان والحركة ، أما الجانب الإيجابى أو جوهر مذهب أبى البركات فى الزمان ، فإننا لا نعثر عليه إلا فى نهاية بحوثه الميتافيزيقة ، وهو فى هذا الجانب يجهد الجهد كله ليحطم ارتباط الزمان بعالم الحس أو عالم العقل ، ممهدا لهدم النظريات التى تجعل الزمان أمرا محسوسا : هو معنى الحركة وذاتها ومضمونها ، كما يمهد لهدم الأسس العقلية الفلسفية التى أعتمد عليها المشاؤون فى استخلاص مفهوم الزمان من ملاحظة معنى الحركة ، ومعنى المكان .

والحقيقة التى تطالعنا فى هذا المجال أن أبا البركات يعمد أول الأمر إلى تحطيم العلاقة المتينة بين مفهوم الزمان ومفهوم الحركة ، وهو بهذا يقلب المفهوم الأرسطى رأسا على عقب ، فإذا كان المذهب المشائى لا يتصور انفصاما بين هذين المفهومين ؛ فإن أبا البركات لايتردد لحظه فى أن يجوز تصور زمان بدون حركه .

وبعد أن فرغ فيلسوفنا من تحطيم هذه العلاقة فى التصور المشائى فإنه يوجه سهام نقده صوب النقطة التى تقرر أن الزمان عرض فى الحركة،ويرفض تعليل ابن سينا فى وصف الزمان باللاجوهرية،بأنه لا يقوم بذاته ، إذ ليس له ذات حاصلة ، مبينا أن هذا التعليل يتنافى مع المفاهيم المشائية للجوهر والعرض ، فإذا كان مفهوم الجوهر لديهم : الموجود لا فى موضوع ، أى هو الموجود استقلالا لا يستند فى وجوده أو عدمه على مقارنة شئ أو مفارقته ، فلماذا ننفى صفة الجوهرية عن الزمان .

وأما عن العلاقة بين الزمان والوجود فإن الباحث يرى أن ربط أبى البركات بين الإدراكات الأولية الثلاثة : النفس ، والوجود ، والزمان ، يجعل الزمان فى بداهته وظهوره على قدم المساوة مع الوجود ، وإحساس النفس بذاتها ، مبينا أنه هنا يلتحم الزمان مع الوجود فى نظرية أبى البركات ، وبذلك يكون الزمان مقدار الوجود لا مقدار الحركة ، وينتهى الباحث فى هذا الفصل إلى مسألة أزلية الزمان وأبديته ، مبينا أنه من الواضح أن الزمان حين يرتبط بالوجود فى نظرية أبى البركات فليس أمامنا إلا إطفاء الأزلية والأبدية على هذا الزمان الوجودى ، ولا مجال أبداً لحدوث الزمان ، بل لا مجال– فيما ترى هذه النظرية – لأن يتصور العقل للزمان نهاية أو عدما .

أما الباب الثالث فقد جاء بعنوان النفس والميتافيزيقا ، وفى الفصل الأول تحدث الباحث عن النفس مبينا أن هذا الموضوع حير أرباب الفكر والنظر على إطلاقهم ، من فلاسفة ، وعلماء ، وصوفية ، ومتكلمين ، مبينا سبب انصراف العلم الحديث إلى دراسة الظواهر النفسية والاقتصار عليها ، بعد أن عز على وسائله اكتناه النفس ومعرفة أسرارها ، مما يشير من قريب أو بعيد إلى أن هذا الميدان من ميادين الفكر والبحث قد يظل – وإلى الأبد – موصد الأبواب أمام العقل مهما تسامت تأملاته أو تسامقت أشواقه .

ويرى الباحث أنه بالرغم من ذلك ، فما من فيلسوف إلاّ وله وقفه – قد تطول وقد تقصر – إزاء إشكالية النفس هذه يتأملها ويدقق النظر فيها ، ويحلل ، ويقارن ثم يتركها ، وكأنها ما امتدت إليها من قبل يد باحث أو مفكر أو فيلسوف .

ولذا فقد بحثت النفس فى الفلسفة الإسلامية ، كما بحثت من قبل فى الفلسفة اليونانية ، وقد بحثها أبو البركات ، وفى بحثه سوف نجده ناقداً ومحللا ، متجاوبا مع الفلسفة المشائية حينا ومتخالفا معها أحيانا أخرى .

وعلى سمة منهجه يبدأ أبو البركات تحديد مفهوم النفس عند المشائين،موضحا التعريف المشهور عندهم ، والذى يحد النفس بأنها : كمال أول لجسم طبيعى آلى ذى حياة بالقوة " ويتوقف قليلا عند تقييد المشائين لهذا التعريف "بالطبيعى"،فيراه غير ذى موضوع ، ذلك أن المشائين يوردونه-عن الجسم الصناعى-ويرى فيلسوفنا أن هذا مخالف لإطلاق المشائين فى الجسم .

وكذلك يوجه أبو البركات نقده لتلك الفروق التى تخالفت بها النفوس عند المشائين إذ ترجع عندهم إلى معنى " المعرفة " أما هو فيرى أن الذى تنشأ عنه هذه المراتب المختلفة فى معنى النفس هو فرق فى الشعور والإحساس بالأفاعيل التى تفعلها هذه النفوس .

وينتهى الباحث من عرضه لموقف أبى البركات من النفس عند المشائين إلى أن هذا الاتجاه فى فلسفة أبى البركات ليس جديدا عنده كل الجدة ، بل قد يمكن أن نتوسم ها هنا تأثراً من قريب أو بعيد بفكرة الشعور عند الشيخ الرئيس ابن سينا ، ويرى الباحث أن فكرة الشعور عند أبى البركات قد غدت المحور الأساسى فيما يتعلق بالمراتب المختلفة للنفس . وكذلك ينتهى الباحث إلى أن رفض أبى البركات للمبدأ المشائى الذى يقرر أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ، وأنه مبدأ زائف،وليس له أية مقومات منطقية ، بل هو مبدأ منقوض بنفس المقاييس المشائية أيضا ، لأنه حين ينسحب على معنى القوى النفسية ، وما ينتج عنها من آثار مختلفات فإن نفس الإشكالات التى طالت المشائين فى العلاقة بين النفس وأفعالها تنشأ هنا أيضا ، وتنبثق من جديد .

وبناء على ذلك يرى الباحث أن نظرية القوى النفسية وتعددها عند المشائين ، تخفق كل الإخفاق – فى فلسفة أبى البركات – فى تجنب ما قد يترتب على المبدأ المشائى من إشكالات وصعوبات بقيت كما هى ، فلا يزال القول " بأن الواحد لا يصدرعنه إلا واحد " قولا مشكلا فى نظرية المشائين فى النفس ، كما كان قولا مشكلا فى نظريتهم فى الصدور والعقول العشرة .

وأيضا مما انتهى إليه الباحث من عرض لموقف أبى البركات من الفلسفة المشائية فى النفس ، أنه لايتفق معه فى نظريته التى تفسر الإبصار بخروج نور من العين يلتقى بالنور الواقع على الأشياء فتحدث الرؤية ، مبينا أن هذه النظرية ما هى إلا تذبذبا بين النظرية الأفلاطونية ، وما يضطرب فى نفسه من نقد النظرية الأرسطية ، والرغبة فى هدمها وتحطيمها ، فضلا عن أن العلم الحديث قد حسم هذا الإشكال بما لا يدع مجالا لأدنى ريب فى أن القول " بالشعاع " الخارج من العين قد غدا ضربا من اللغو والعبث .

كما لايتفق الباحث مع أبى البركات فى انبهاره بمعطيات الوهم فى مجال لاسبيل إلينا أبدا لأن نحكم فيه بمثل هذه المعطيات،ويرى أن فرقا واضحا بين أن تكون معطيات الوهم وأحكامه ماثلة فى ذهنه،ولاقبل له بدفعها أوردها ، وبين أن تكون هذه المعطيات فى أنفسها حقا لاريب فيه . ويقول : نعم نأخذ على أبى البركات فى حديثه عن انقسام الصور العقلية فى موضوع النفس هذا الارتماء المشين إلى قوة الوهم .

ولكن إذا كنا نختلف معه فى هذه النقطة ، فإننا نقدر له قدره حين رفض نظرية القوى النفسية الحسية فى فلسفة أرسطو، وابن سينا ، رفضا على أساس مكين من النقد المنهجى الجاد ، فهذه النظرية الأرسطية التى سيطرت على دوائر الفكر البشرى حتى مطلع هذا القرن ، قد تجاوزتها أبحاث علم النفس الحديث ، حين انتهت إلى تزييف ما يسمى فى علم النفس القديم ، بملكات نفسية خاصة ، تصدر عنها أفعال نفسية خاصة ، ومن هنا نستطيع أن نزعم أن محاولة أبى البركات ، تلك التى التقينا بها فى - نظرية القوى النفسية - هى محاولة فريدة ، سبقت أوانها بمراحل متطاولة .

وأما الفصل الثانى فقد جاء بعنوان " الوجود العام والوجود الإلهى " ويرى الباحث فى هذا الفصل أنه إذا كان أمكن لأبى البركات فيما مضى من المباحث الطبيعة والنفسية ، أن ينفذ نقده إلى لب هذه المباحث وصميمها ، فإنه هنا يكفكف كثيراً من غلوآء هذا النقد والإسراف فيه ، ولعل ذلك راجع إلى إحساس فيلسوفنا بأن المجال ها هنا قد يتعسر فيه الاعتماد على تجربة أو شعور نفسى ، أو أنه يضع نصب عينيه أنه ها هنا قد فارق عالم الطبيعة وعالم النفس ، إلى عالم آخر لانملك حياله رؤية مباشرة تنفذ إلى أعماق ذاته كما هو الحال مثلا : فى حقائق الطبيعة وحقائق النفس ، ولعل هذا ما يفسر لنا ظاهرة التوافق بين أبى البركات وبين المشائين فى جوانب كثيرة من هذا المجال .

ولكن بالرغم من هذا التوافق،إلاّ أنه قد وجد هنا أيضا لأبى البركات لفتات لا يمكن للباحث أن يتجاهلها أبدا ومن هذه اللفتات النقدية ، هى نظرته إلى طبيعة العلم الميتافيزيقى ، ورفضه القسمة الأرسطية للعلوم إلى نظرية ، وعملية ، وإدراجه العلم الإلهى تحت القسم النظرى .

ويخلص الباحث من عرض لهذه النظرية إلى أن تقسيم العلوم عند أبى البركات أمر مختلف تماما عن تقسيمها عند أرسطو، وابن سينا ، والمشائين عامة ، فإذا كانت العلوم عند هؤلاء هى علوم : نظرية ، وعملية ، والعلم الإلهى فرع من العلم النظرى ؛ فهى عند أبى البركات : علم الموجودات ، وعلم الصور الذهنية ، وعلم الألفاظ ، والعلم الإلهى فرع من العلم بالموجود العينى .

وبالنسبة للاستدلال على وجود الله عند المشائين ، فإن الباحث يرى أن أبا البركات وإن كان قد أطال الوقوف عند الوجود الواجب والوجود الممكن ، كدليل نصل به إلى واجب الوجود ، فلأنه يرضى كثيراً عن هذا اللون من الاستدلال،وهو أحد المواقف الفلسفية التى يحمدها فيلسوفنا لكل من الفارابى وابن سينا فى هذا المجال ؛ أما فيما يتعلق بالاستدلال من الحركة على المبدأ ، فأن أبا البركات لايرضى عنه ، ويوقف منه موقف النقد ، موجها سهام نقده"للحركة الفلكية" فى هذا الدليل،رافضا أن يكون الطريق إلى معرفة الله من جهة الحركة الفلكية .

وبالنسبة للصفات فإن أبا البركات يوجه سهام نقده للمشائين ، وبخاصة ابن سينا ، فيما ذهب إليه من أن الصفات أمور إضافية لا صفات ثابتة ، مقرراً أن الصفات فى جملتها إنما هى : سلوب ، أو إضافات ، أو اعتبار من السلوب والإضافات معا .

وقد أقام أبو البركات نقده للمشائية فى هذه المسألة على أساس فكرة قسمة الموجودات لديه إلى أقسام ثلاثة : أ- ذوات موجودة ، ب- أفعال تصدر عن تلك الذوات ، ج- صفات هى كالأحوال بالنسبة إلى الذوات الموجودة ومن هذا القسم الأخير، يقرر أبو البركات أنه لابد من إثبات هذا النوع الذى تكون فيه الصفات من الذات لذاتها :وإلا وقعنا فى التناقض العقلى الناشئ من تسلسل الصفات إلى غير نهاية .

ويشير الباحث إلى أثر علم الكلام فى اتجاه أبى البركات ، وبخاصة المدرسة الأشعرية فى فكره ، محدداً علاقة التأثير فى مواطن ثلاثة : الأول : ذلك التشابه الذى يبدو وكأنه تشابه تام فى هذه القسمة التى فزع إليها أبو البركات ، ليقف بها فى وجه الفكرة المشائية ويرى أن أبا البركات متأثراً بالفكرة الأشعرية ،ممثلة فى إمام الحرمين ، وهى فكرة تقسيم أسماء الله تعالى إلى ما يدل على الذات والأفعال والصفات .

الثانى : وهو طريق إثبات الصفات ، ويعنى به طريق قياس الغائب على الشاهد .

الثالث:وهو القول بصفات ذاتية لله تعالى مثل الصفة النفسية وصفات المعانى كالقدرة والإرادة وما إليها .

ويرى الباحث أنه على الرغم من أن هذا التأثر وإن كان من المنطلقات الرئيسية فى فكرة أبى البركات ،    إلا أن المحصلات الأخيرة فى مسألة الصفات لازالت بعيدة عن المنهج الأشعرى،الذى  يعد النموذج الأسمى فى هذا الباب .

وينتهى الباحث من عرضه لهذا الفصل ، مبيناً أن كل ما سلف من أحاديث لأبى البركات فى مسألة الصفات الإلهية هذه ليس هو كل ما فى جعبته من نقد للمدرسة المشائية فى هذا المقام، بل ثمت موقف نقدى متميز يقفه أبو البركات ضد الفلسفة المشائية فيما يتعلق بصفة العلم بالنسبة لله تعالى ، ويعرض الباحث فى تلك المسألة الأسس التى أقام عليها أرسطو ، وابن سينا ، نظريتهما فى العلم الإلهى ، مبينا موقف أبى البركات منها وكيفية نقده لها ، منتهيا إلى أن هذه الأسس التى ارتكزت عليها نظرية أرسطو، وابن سينا ، أسس باطلة ، وما يترتب عليها باطل ، ويبقى أن الله تعالى يعلم ذاته ، ويعلم غيره من الكليات والجزئيات .

أما الفصل الثالث فقد جاء بعنوان : " الوجود الكونى بين المشائين وأبى البركات " وقد تناول الباحث فى هذا الفصل المشاكل الميتافيزيقية التى اختلف فيها اتجاه أبى البركات عن اتجاه المشائين ، كمشكلة قدم العالم ، ومشكلة الخلق ، ونظرية العقول ، وقد كان من أهم المشاكل التى وجه أبو البركات نقده إليها هى : إشكالية صدور العالم أو الخلق كما تصورتها نظرية العقول العشرة عند المشائين الإسلاميين .

وقبل أن يعرض الباحث لبيان موقف أبى البركات فى تلك الإشكالية ، يلاحظ أن أبا البركات حين يتحدث عن أرسطو أو ينقل عنه فى هذه المشكلة ، فإنما ينقل عن أرسطو مفهوما من خلال الأفلاطونية المحدثة ، لا أرسطو كما هو فى فلسفته الحقيقية .

إذ هو يعتقد - كما اعتقد الفلاسفة الإسلاميون من قبله – أن أرسطو قائل بصدور عقل أول عن الله تعالى ، وهو من هذا المنطلق يسدد سهام نقده لأرسطو ، على أن الباحث يرى أن قضية " نشأة العالم " عند أرسطو قضية غامضة ، ويعتقد أن الفلسفة الأرسطية لا تقول ، لا بالخلق ، ولا بالصدور، ولا بالفيض ، ومن ثم فإن نقد أبى البركات لهذه المشكلة إنما يتوجه بالأساس إلى فكرة الصدور كما يقول بها رجال الأفلاطونية المحدثة ، وكما يقول بها المشاؤون المسلمون كالفارابى وابن سينا ؛ ويرى الباحث أن المنهج الذى اتبعه أبو البركات فى نقده لنظرية العقول يدور حول ثلاثة أمور : الأول : كيفية البحث فى بداية الخلق عن المبدأ الأول ، والثانى : رأى أرسطو هو وشيعته فى بداية الخلق الثالث : نقد أبى البركات لهذا الرأى .

وينتهى الباحث من عرض الأمرين الأولين ، إلى بيان أن الأسس المنهجية الكامنة وراء القول بنظرية العقول ، والتى دفعت المشائين دفعا إلى اختراع هذه النظرية ، تمثلت فى أمرين: الأول : المبدأ الميتافيزيقى القائل بأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ، والثانى : هو الفكرة المشائية التى ترى أن الحركة التى يتحرك بها المحرك الأول إنما هى الحركة الدائرية البسيطة ، بيد أن هذه الحركة بمفردها لا تكفى أبدا لتبرير وجود الحركات الأخرى الباقية ، ومن ثم فليس بد من افتراض وجود محركات أخرى غير المحرك الأول ، تحرك الكواكب والأفلاك حركة أزلية أبدية،وانطلاقا من هذه الفكرة اضطر أرسطو للقول بوجود محركات أزلية تحرك الكواكب ، وسماها عقول الكواكب .

ثم ينتقل الباحث إلى عرض الأمر الثالث مبينا كيف نقد أبو البركات تلك النظرية ، حين اعتمد المشاؤون فى نظريتهم هذه على أقوال علماء الهيئة فى الأفلاك ، وطريقة هؤلاء ، هى الرصد والموازنة والمقياسة ، ويرى أبو البركات أن هذه الأفلاك مادامت بعيدة بذواتها وأشكالها عن ملاقاة حواسنا ، فإن أمرها لا يعدو أن يكون من باب التقدير والاحتمال ، ولذا فهذه النظرية عند أبى البركات تبنى على أساس غير يقينى ، فإذا ارتبطت فكرة الخلق بهذه النظرية فى الفلسفة المشائية ، فإن هذه الفكرة يصيبها الاحتمال فى أعمق أعماقها ، وإذن ففيما إدعاء اليقين فى هذه النظرية .

وينتهى الباحث من خلال عرضه لهذا الفصل إلى أن أبا البركات فى نقده لتلك النظرية استطاع أن يحطم العقول العشرة فى أسسها ونتائجها ، وذلك بعد أن أفقدها المبرر المنطقى الذى ترتكز عليه أية نظرية جديرة بالقبول والاعتقاد ؛ وهو بهذا الموقف قد يقترب من الدين بقدر ما يبتعد عن حظيرة الفلسفة المشائية ، فضلا عن ذلك فربما يكون أبو البركات فى نقده لنظرية الصدور مشبعا بروح علم الكلام الأشعرى السائد فى بغداد فى ذلك الوقت ، فهذا ما قد لمحه الباحث فى شجب أبى البركات معانى العلية ، والتأثير ، والإيجاد عن أية موجودات أخرى ، والانحياز بها كاملة إلى المبدأ الأول .

أما الخاتمة فقد اشتملت على النتائج التى توصل إليها الباحث ، وقد تمثلت فيما يلى :

1- إن كتاب " المعتبر فى الحكمة " هو الكتاب الوحيد – فيما اعتقد – الذى يتضمن بين جنباته مذهباً نقديا فلسفياً تكاملت له كل الأبعاد التى ينبغى أن تتكامل للموقف النقدى الفلسفى المتميز، وذلك بالنسبة إلى محاولات النقد التى وقفت للتراث الأغريقى فى الفلسفة الإسلامية ، وهذا الذى انطبع فى نفسى عن كتاب المعتبر، لا ألقى القول فيه على عواهنه ، وإنما أقدم بين يديه سببين كان دائما وراء هذا الانطباع .

فأولاً : إذا ما وضعنا محاولة أبى البركات هذه فى ضوء المحاولات النقدية التى سلفت قبله ، ظهر لنا – بعد المقارنة – أن محاولة المدرسة الاعتزالية التى نعثر فيها على أقوال أشتات متفرقات من هذا النقد ،ومحاولة الإمام الغزالى فى نقده أيضا لأرسطو وابن سينا ، من الصعب أن نعتبرهما نقداً فلسفيا خالصاً يقوم على منطلقات فلسفية ، لا منطلقات دينية أو إيمانية ، وغياب المنهج الذى يلتزمه صاحبه ويتحرك فى إطاره ، ويعود إليه كلما تلبدت سماء الفكر بغيوم النظريات المتضاربة – فى المحاولات السابقة على أبى البركات ، أمر يدفعنا إلى أن نميز تمييزاً كاملاً بين محاولته هذه والمحاولات السابقة عليه ، على أننى لا أستطيع أن أتجاهل أثر هذه المحاولات السالفة فى تكوين الاتجاه النقدى عند هذا الفيلسوف ، بل هو نفسه كثيراً ما يحنى الرأس إجلالاً ، لأوابد ينسبها إلى أفضل المتأخرين –ويعنى به:الإمام الغزالى–فى لفتاته الميتافيزيقية التى تصيب كبد الحقيقة–فيما يرى أبو البركات.

وفيصل التفرقة بين الإمام الغزالى وأبى البركات ، أن الذى يحرص عليه الإمام وهو بصدد نقده للفلاسفة قد لا يحرص عليه أبو البركات وهو بنفس هذا الصدد من قريب أو بعيد ، ألم تر كيف فعل أبو البركات حين قاده تداعى المعانى – عرضاً – فى مشكلة الخلق إلى نقطة كاد يلتقى فيها مع ما يقوله الدين ، من حدوث الخلق وبدءه بآدم وحواء ؟ ماذا قال أبو البركات ؟ قال لست أقول إن الرأى هذا ، وهذه العبارة تلخيص كامل ودقيق للاتجاه الفلسفى الحر عند أبى البركات ، وهى تعكس تقيده وارتباطه بمنهجه الذى فزع إليه فزعاً وكأنه شعر بأنه يتجاوز – قليلاً – هذا المنهج إلى حيث الاحتجاج بغير ما اشترطه على نفسه . نعم هذا الالتزام الذى لا ينفصم بين المنهج والنقد أمرا لا نكاد نعثر عليه فى المحاولات السابقة على أبى البركات ، بينما يبتدئ هذا الالتزام قويا عنيفاً وراء كل فكرة يقبلها أو يرفضها هذا الفيلسوف .

ثانياً:-والمحاولات التى جاءت بعد أبى البركات لا تغير كثيراً من هذا الذى ارتأيناه فى هذا الفيلسوف الناقد  فأبرز هذه المحاولات هى محاولة السهروردى المقتول فى نقده للمدرسة المشائية وإننى لأزعم أن هذه المحاولات تتقصى منهجاً وتطبيقاً – آثار أبى البركات - والذى يقرأ أبا البركات ،ثم يقرأ السهر وردى فى أهم مآخذه على المشائين – كالمقولات ، والجسم ، والصورة ، والمادة ، والإدراك ، وغيرها يخرج بانطباع التأثر والتأثير بين هذين الفلسفتين،خصوصاً إذا علمنا أن السهروردى قرأ أبا البركات وهاجمه هجوماً طافئ بالسباب والشتائم ، وإننى لأتفق مع بعض الباحثين فى تأثر السهروردى بأبى البركات فى نقد المدرسة المشائية،موضوع يستحق البحث والدرس بل هو جدير بدراسة مستقلة تقوم على التتبع والاستقصاء .

2- إن المنهج الذى اتبعه أبو البركات منهج واضح المعالم والسمات ، وقد التزمه أبو البركات التزاما يكاد يكون تاما وكاملا ، ولولا ما قدمناه من اعتماده فى موضعين أو ثلاثة على ابن سينا فى نقده للمشائين لقلنا : إنه التزم منهجه التزاماً مطلقاً . وهذا أمر محمود لهذا الفيلسوف ، لأن هذا الالتزام المطرد رغم تباين العلوم من منطق إلى فيزيقيا ، وإلى ميتافيزيقا ، ورغم تباين المسائل المبحوث عنها فى هذه العلوم . ليس أمراً سهلاً ولا ميسوراً ، فمثل هذا الالتزام إنما يأتى نتيجة البحث الطويل العميق . والمتأمل المدقق فى التعرف على أصول الفكر ومقاييسه وأسسه وحقيقة أى باحث فى فلسفة أبى البركات لا يستطيع أن يكتم إعجابه بهذا الفيلسوف ، وهو يشير إلى منهجه تلميحا أو تصريحا فى كل موطن من مواطن الرفض أو القبول فى نقده للفلسفة المشائية .

إن بينيس وهو عالم أوربى مشـهـود لـه بالأصالة فى البحث والاستقصاء انتهى به منهجه فى التحليل والمقارنة بين أبى البركات وديكارت إلى أن الفيلسوف ، العربى هكذا يسميه بينيس كان أكثر جدية فى نقد الفكر القديم ومحاولة إصلاحه من الفيلسوف الفرنسى

لأن الفيلسوف العربى وضع المنهج وطبقة تطبيقاً متساوياً فى الأسس والبنايات بينما اقتصر الفيلسوف الفرنسى على نقد الأسس دون البنايات وفى اعتقادى أن هذا الذى يبدو فى كتاب المعتبر من عمق الالتزام المنهجى وما ترتب عليه من عمق فى النقد إنما مرده إلى أن هذا الكتاب قد ألف أو جمع بعد أن أمضى هذا الفيلسوف زهرة شبابه كله فى العدو وراء المذاهب الفلسفية والركض فى متاهاتها ودروبها سعياً وراء الحق الذى لاحق سواه ، وكتاب المعتبر لم يكن نتاج دراسة سنين ثلاث لمذاهب الفلاسفة-كما كان الأمر كذلك بالنسبة لكتاب التهافت مثلاً – وإنما هو نتاج عمر طويل فى البحث والتأمل والرغبة الجامحة فى المعرفة من أجل المعرفة وفكر تهيأ له مثل هذه الظروف والملابسات ، وينفق فيه مثل هذا العمر لابد أن يجئ فكراً ثابت الخطى متكامل الملامح والقسمات بحيث يقال : إن ها هنا مدرسة نقدية جديرة بالاعتبار والاهتمام .

3- ولقد أكرر هنا فى الخاتمة نفس ما كررته كثيراً من قبل وهو الرفض التام المطلق لاعتبار الوهم حجة يستند إليها هذا الفيلسوف فى المسائل الميتافيزيقية ، ولقد رأينا كيف زلت قدم أبى البركات أكثر من مرة وهو يعتمد على معطيات الوهم فى مسائل لها جلالها وخطرها .

وإن تعجب فعجب نقده لنظرية العقول على أساس منهجى طالما تغافل عنه وأسقطه من الاعتبار ، إنه حين ضاق ذرعا بادعاءات المشائين فى هذه النظرية كان أول ما وجه الأنظار إليه هو أن الإنسان قد يخفى عليه معرفة داء مركب مخلوط من أدوية أخرى معرفة كاملة ثم تساءل بعد هذا مستنكراً : كيف بالذى تراه ولاتصل إليه ، ثم كيف بالذى لا ترى له ذاتاً ولا فعلاً ؟ ثم خلص إلى أن مجال بدء الخلق مجال محير للألباب،والمزاعم والادعاءات فيه – لأنه لا سند لها من دليل عقلى ولا تجربة – أمر معيب ومزر .

وإننى لأقف  من أبى البركات متسائلاً نفس تساؤلاته هذه ، حين زعم أن الله مما يجرى عليه الزمان ، وأنه لا يتأتى للمتصور أن يرفع المقدار والقسمة عن شئ مما يتصوره الذهن. ألا يقال له:إذا كان أمر بدء الخليقة عندك هكذا فكيف لك بالذى قد كان قبل هذا البدء ؟ كيف يكون له زمان ومدة يجرى عليه ؟ ولم زعمت أن رأيك هو الصواب والحق ؟ ولم لم يكن الأمر عندك محتملاً للرأي ولنقيضه ؟

إن هذه كلها سقطات تردى فيها هذا الفيلسوف بسبب هذا الجانب الهزيل فى منهجه ، ولو أنه قنع بمعطيات الوهم فيما لا يتعارض مع الدين لكان له ذلك ولما خالفه عليه مخالف،لأن هذا الأمر هنا أمر غياب دليل الإثبات ، وفى ذات الوقت غياب دليل النفى ، فالوهم ثمتئذ مجال يضرب فيه وهما وتخيلاً ، أما اعتبار هذا الوهم فيصلاً فى المسائل الميتافيزيقية التى قام عليها دليل عقلى فهذا يؤخذ على أبى البركات

4-وبالرغم من كل ذلك فالذى يقال عليه هو أنه استطاع أن يحطم الفلسفة المشائية فى أغلب مناحيها فى الطبيعة ، وفى النفس ، وفيما بعد الطبيعة ، وهو بهذا الاعتبار قد يغدو فيما أعتقد – أول ناقد للفلسفة المشائية فى الفكر الإسلامي - نقداً فلسفيا يقوم على منهج فلسفى ، بل نعتبره المنطلق الحقيقى لكل المحاولات التى جاءت بعده .