"مَوْقِفُ السَّلَفِ مِنَ المتَشَابِهَاتِ بَيْنَ الـْمُثْبِتِينَ وَالـْمُؤَوِّلِينَ "مَوْقِفُ السَّلَفِ مِنَ المتَشَابِهَاتِ بَيْنَ الـْمُثْبِتِينَ وَالـْمُؤَوِّلِينَ
الأستاذ الدكتور محمد عبد الفضيل القوصى
عضو هيئة كبار العلماء - نائب رئيس مجلس إدارة الرابطة
"
مَن يتأمَّلْ مَلِيًّا ما ذكَره الأشاعرةُ بصدَدِ قضيةِ التشبيهِ والتنزيهِ، يُدرِكْ أنهم كانوا يقودون العقلَ البشريَّ إلى السَّيرِ في مُرتقىً معرِفيً متصاعِدٍ، قد دَرَج هذا العقلُ ـ لو تُرِك وشأنَه ـ على هُبوطِه، ولا جَرَمَ حينَئذٍ أن يكونَ في مُهمَّتِهم قدرٌ ليس باليسيرِ من الجَهدِ والمشقَّةِ؛ لأنهم يُغالِبون الاعتيادَ، ويُعوِّقون الانقيادَ، وما اشقَّها من مُهِمَّةٍ! 
أليسَ حقًّا ما قاله الفخرُ الرازيُّ ـ وهو يُشيِّدُ «أساسَ التقديسِ» ـ :  «مَن أراد أن يَشرَع في الإلهيَّاتِ؛ فليستحدِثْ لنَفْسِه فِطرةً أخرَى». فالإنسانُ ـ كما يُتابِعُ ـ «إذا تأمَّل في أحوالِ الأجرَامِ السُّفليَّةِ والعُلويَّةِ، وتأمَّل في صِفاتِها، فذلك له قانونٌ. وإذا أراد أن ينتقِلَ منها إلى معرفةِ الرُّبوبيَّةِ؛ وجب أن يستحدِثَ له فِطرةً أُخرَى وعقلًا آخَرَ، بخِلافِ العقلِ الذي اهتدَى به إلى معرِفةِ الجِسمانياتِ» ( ).
ومن هُنا فقد استنَدت قضيَّةُ التنزيهِ عندَ الأشاعرةِ على بحوثٍ ضافيةٍ متأنِّيةٍ في نظريَّةِ المعرِفةِ، جاسوا فيها خِلال النفْسِ البشريَّةِ، وخِلالَ قُوَاها الإدراكيَّةِ المختلِفةِ، ووضَعوا أيديَهم على ما يُمكِنُنا تسميَتُه بـ : «الصُّعوباتِ النفْسيةِ» التي قد تُعكِّرُ صفوَ التنزيهِ، وتَـحُولُ دونَ نقائِّه. 
فإمامُ الحرمَيْن ـ مثلًا ـ يقولُ في «النِّظَاميةِ» عن المُشبِّهةِ: «إنَّهم يطلُبون ربَّهم في المحسوساتِ، وما يتشكَّلُ في الأوهامِ، ويتقدَّرُ في مَجاري الوساوِسِ، وخواطرِ الهواجس. وهذا حَيْدٌ بالكُليَّةِ عن صِفاتِ الإلهيَّةِ. فأيُّ فرقٍ بينَ هؤلاء وبينَ مَن يعبُدُ بعضَ الأجرامِ العُلْويةِ؟! إنه لو اجتمَع الأوَّلون والآخِرون على أن يُدرِكوا الرُّوح ـ وهي خَلْقُ اللِه تعالَى ـ بهذا المسلَكِ؛ لم يَجِدوا إلى ذلك سبيلًا؛ فإنَّه معقولٌ غيرُ محسوسِ، وقد قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (سورة الإسراء:85) ( ).
ويقولُ إمامُ الحرمَيْن ـ أيضًا ـ في موضعٍ آخَرَ: «إنَّ أحدًا ـ من البشَرِـ لو أراد أن يتصوَّرَ الأرضَ برَحْبِها بَرًّا وبحرًا؛ لما تمثَّل منها إلا قَدْرًا صغيرًا، ومبلغًا يسيرًا. وإنَّ أحدًا مِن الأحياءِ لو فكَّر في حياتِه، وأراد أن يُمثِّلَها في فكره؛ لتمثَّلت له الحياةُ شَكلًا متشكِّلًا، وهكذا تزِلُّ الأوهامُ عن كثيرٍ من المخلوقاتِ، فكيف السبيلُ إلى أنْ نُدرِكَ بها الربَّ تعالَى الذي لا يُشبِهُه شيءٌ، ولا يُشبِهَ شيئًا؟! فمِن صفةِ الإلهِ تقدُّسُه عن التصوُّرِ، فكيف يستقيمُ على مِنهاجِ الحقِّ مَن يطلُبُ معرِفةَ مَن لا يُتصوَّرُ بالتصوُّرِ؟!» ( ).
ويقولُ الآمِديُّ ـ مُتابِعًا نفسَ المعنَى ـ: «إنه ـ جلَّ وتعالَى ـ لا ينبغي أن يكونَ مَقِيسًا بالأشباهِ والنظائرِ؛ وما جاء التشبيهُ إلا من جِهةِ الوَهْمِ؛ بإعطاءِ الغائبِ حُكمَ الشاهدِ، والحُكمِ على غيرِ المحسوسِ بما حُكِم به على المحسوسِ» . «فاللبيبُ إذَن» ـ كما يُضيفُ الآمِديُّ ـ «مَن ترك الوهمَ والخيالَ جانبا، ولم يتَّخِذْ غيرَ البُرهان والدليلِ صاحِبا» ( ).
وقرَّر الفخرُ الرازيُّ نفْسَ هذه الوِجهةِ من النَّظرِ قائلًا: «إنَّ الحُكمَ بانحصارِ المَوْجوداتِ كلِّها ـ إمَّا في الحلولِ، أو في المُبايَنةِ بالجِهةِ ـ إنَّما جاء بسببِ الوهمِ والخيالِ، لا بسببِ العقلِ البتةَ» ( ).

"

 
 
 
  المزيد من المقالات لنفس الكاتب