داعش بين ثوابت الدين، وغوايات الشياطين داعش بين ثوابت الدين، وغوايات الشياطين
أ.د فتحي محمد باز
نائب رئيس فرع الرابطة بالدقهلية وأستاذ الأدب والنقد بكلية الدراسات بالمنصورة
"

سيطرت علي الساحة الإعلامية المحلية والعالمية، فكرة تبناها المقاتلون المخدوعون بعدد من الشبهات التي روجوا لها وبثوها في عقول أتباعهم ، وهي شبهات كثيرة ضللوا بها كثيرا من الشباب، وغرروا بهم من ساروا علي دربهم،.في ظل حالة من الخواء الفكري، والاضطراب السياسي، والانفلات الأخلاقي ، والفراغ الديني الذي تعج به فضائيات العالم اليوم، وتموج به الفتن موجا عنيفا.

 ونود في هذا المقام أن نبين وجه الصواب في عدد من تلك الشبهات التي شاعت بصورة فجه، وأعني بها فكرة ( نهاية العالم )، وفكرة ظهور ( الأعور الدجال)  وفكرة ( ظهور المسيح) لنصرتهم في نهاية المطاف _علي حد زعمهم _ وفكرة بروز بعض النبوءات الواردة في الأحاديث النبوية الشريفة.

 وللرد على تلك الشبهات أو بالأحرى الترهات بوضع النقاط على الحروف، ينبغي التحلي بالحكمة والمنطق، والاستمساك بالثوابت التي استقامت بها حياه المسلمين، منذ نزول الإسلام، والابتعاد عن الاغتراف من تلك الأمواج العاتية من التشويه وسبل التضليل، وتصديق الأقاويل، والوقوع في الأحابيل .

فقد سولت الشعوذة السياسية والدينية لبعض الأدعياء في الدين، أن ينتحلوا صفه زعامة الأمة المسلمة، والوصاية على مقاديرها، وتشكيل مستقبل أجيالها، انطلاقا من معتقدات فاسدة: وأوهام غامضة ومنهم من يزيد في التغرير بالشباب أن هؤلاء الأفراد الذين يطلقون عليهم اسم (داعش) يعتقدون فعلا أنهم يمثلون الإسلام، ويستمدون أفكارهم من القرآن، ومن سنة النبي محمد_صلي الله عليه وسلم_ وهو ما يعد تجاهلا للواقع الذي يتحدثون عنه وللرد على تلك المزاعم ينبغي النظر في أقوال هؤلاء، وعرضها على موازين الشرع، والاستنتاج بالعمادين الرئيسيين للشريعة وهما الكتاب والسنة.

* أما عن نشرهم  لصور (الطفل العملاق)  فتلك أول الأثافي والافتراءات، إذ ورد في وصفه من الأخبار الصحيحة المتواترة أنه (رجل يهودي ممسوح الخلقة) وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم شكله وصورته بيانا شافيا كافيا وغاية القول فيه:

1.    أنه موجود الآن، منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وانه موثوق وثاقا شديدا

2.    أنه وإن كان مكانه معروف، فإنه لا يستطيع أحد الوصول إليه، أو إطلاق سراحه لأن له وقت مقدرا قد كتبه الله فلا يتقدم ولا يتأخر.

3.    أن خروجه ستسبقه علامات يعرفها هو، ومنها جفاف بحيرة طبرية، ونخل بيسان، وغيرهما.

4.    أن مكة والمدينة محرمتان عليه، وكذلك بيت المقدس

5.    أن موعد خروجه وسببه وعلاماته ليأتي قرب نهاية الدنيا، فهو أول العلامات الكبرى ظهورا.

6.    أن خروجه سيكون بعد ظهور المهدي، وخوضه بعض الحروب في الجزيرة العربية وفارس والروم والقسطنطينية.

7.    وقد اخبرنا الرسول صلي الله عليه وسلم _ انه ما من نبي بعثه الله إلا حذر قومه فتنه الدجال.

8.    وغاية ما يقال في فتنته: أنها فتنة شبهات وشهوات، وليس فتنة قهر وجبر وإكراه، ففتنته شيطانية تشبه فتنة الشيطان التي اخبر عنه القرآن الكريم في قوله تعالي " وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم " ونعني بكونها شيطانية أنها ضعيفة التأثير علي المؤمنين، وإنما يقع فيها ضعفاء الإيمان والقلوب فضلا عن المشركين والملاحدة،  فأين كل هذا من طفلهم العملاق ! وانتظارهم لخروجه وكأنهم علي موعد معه

* ثم إنه ينزل في تلك الفتنة الغامرة  (عيسي بن مريم عليه السلام فيصلي خلف إمام المسلمين، ويواجه الدجال ومن معه، وهم سبعون ألف يهودي، فيدركه عند باب ( لد) بالشام فيقتله، فيهزم الله اليهود، ويطول الحديث، وتتكاثر الروايات في هذا الشأن المعلوم.

إلا أن تلك الفئة الضالة المضلة خلطت الحابل بالنابل، وحطبت بليل بين الحقائق والأكاذيب ، وأتت بأقوال وادعاءات لا ترقى إلى مقام الصدق البين، أو الحق الأبلج ، فأثارت دوامة من الضبابية حول موقع مدينة (دابق) .. واستخدمت مصطلحات تدعي النسبة الي السلف الصالح وساروا في طريق ( المنهج السلفي القتالي التكفيري ) وهو تيار متطرف يكفر الكثير من أهل القبلة ممن يخالفهم الرأي ، وتستبيح دماءهم ، وهؤلاء يتبنون نظريات سياسية بشأن مفهوم الحاكمية وتقسيم المجتمع الي مجتمع جاهلي ومجتمع إسلامي ، ومن أهم المنظرين المعاصرين لأفكارهم : أبو محمد المقدسي صاحب كتاب ( ملة إبراهيم) ، والسيد إمام الشريف صاحب كتابي ( العمدة في إعداد العدة، الجامع في طلب العلم الشريف)، وأبو قتادة الفلسطيني صاحب كتاب ( الجهاد والاجتهاد: تأملات في المنهج ). وغير هؤلاء ممن يضيق المقام عن الإشارة اليهم .وخطورة هؤلاء تكمن في كون هذا الفكر قد غدا قادرا ـ بسبب غياب أصحاب الرؤى السوية ، والفكر الوسطي المستنير عن ولوج ساحات الإعلام المقروء والمرئي والمسموع، لتوضيح الرؤية الوسطية ـ أقول انه قد غدا قادرا علي خلق انسان مستعد للتضحية بحياته، والانتحار بهدف قتل اكبر عدد من الناس، سواء من المسلمين ام من غيرهم من اجل تحقيق غاياته وأهدافه الهلامية الظلامية، بل أصبح قادرا علي خلق امرأة إرهابية ، بعد أن لفهم جميعا في عباءته الفكرية، وقسرهم في حالة غيبوبة كاملة ، بل وغياب للعقل والحكمة حتي يفعل فعلته النكراء براحه ضمير ، وإحساس موهوم  مكذوب بالخيرية والأفضلية فأين هذا الوهم الكبير من عقلانية الإيمان ، وحدود الإسلام ، وحرمه الدماء.

 التي قال عنه رسول الله صلي الله عليه وسلم _ ( لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن ) وأخبر المعصوم أن حرمة دم المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة المشرفة .

وقد رأينا ما يقترفه هؤلاء  من مجازر ، وجرائم يشيب لها الولدان ، دون أن تطرف لهم عين ، او يتحرك لهم ضمير .

•    أما عن ادعائهم ان هناك صراعا كونيا بين الخير والشر ، وأنهم يقفون إلي جانب الخير وإنهم يتعجلون المعركة التي يروجون لها بفكرة (نهاية العالم) وأنهم بطور التحضير لهذه المعركة، لدرجه أنهم لن يمانعوا بالتدخل الغربي البري ضدهم في سوريا ،.لان ذلك سيبرهن علي صحة تنبؤاتهم ، فهذا هوا العجب العجاب فأي هلاوس تقود هؤلاء¬¬. وأي ضمير إيماني يقودهم إلي ان يخربوا بيتهم بأيديهم؟ ثم يتعجلون خرابها بأيدي غير المؤمنين، فهل تقودنا الأوهام التي يخادعون بها الشباب الي تصديق تلك الخرافات  او ابداء الفرحة بقدوم الخلافة الإسلامية علي جماجم إخواننا المسلمين في سوريا والعراق؟ .

•    إن انتشار هذا الفكر في تلك الظروف القاسية التي تتناثر فيها أشلاء الأمة، ينبئ عن جهل بالإسلام ، وتفسير خاطئ للدين .

•    فهل هناك سياسات عالمية خاطئة ساعدت علي انتشار هذا الفكر واستفحاله؟.

•    والإجابة عن هذا التساؤل أمر منوط بأهل الحل والعقد، من اجل القضاء علي تلك الظاهرة، والنظر في كيفية مواجهتها بالحكمة والموعظة الحسنة، او بالحد الادني محاولة التقليل من أضرارها وكفكفة أخطارها .

وينبغي التنويه في هذا الصدد الي ما ورد من أحاديث الرسول _ صلي الله عليه وسلم _ بشأن التحذير من فتنة ( السفياني) ، ونبوءة فتح بيت المقدس، وهي أحاديث نطق بها النبي الكريم قبل ألف وأربعمائة عام، وفي ظننا أنها جاءت بما لا يقبل النقاش بحق هؤلاء الرواعن، لان هذه الأحاديث تتضمن مجموعة من الإشارات والعناصر بحيث تتجمع روافدها في نهر (داعش) ولم نجد في تاريخنا الإسلامي بكل فرقه أو مذاهبه من صنع صنيعهم ، أو سدر في غيه مثلهم ، فكأني بهم وقد تجمعت فيهم صفات المروق والضلال.

والخطأ القاتل في مواجهة تلك الظاهرة هو الاعتماد علي القوة فقط،. لأن هذا المنهج في المواجهة لم يؤت أكله ، ونؤكد في هذا الصدد علي ان مواجهة الأفكار المنحرفة والضالة تكون أجدي بالأفكار الصحيحة والسليمة والواقعية ، وتتميز بفاعلية وتأثير يفوق بكثير تأثير القوة والعنف والسلاح.

ونحمد الله علي أن الوقائع قد أفهمت من يفهم ومن لا يفهم أن مصر بجميع أطيافها بفضل الله ، ثم بفكر الأزهر الوسطي تبغض هذا النوع من الشعوذة ، وتتشاءم به وتأباه ، وانها تعاف مزاج الدعاة الذين يدقون الطبول، وينضخون الأبواق حول الأفكار المتطرفة، والأزهر الشريف بقيادته الحكيمة ينأى عن صغائر التهريج والتهييج، ويتعالى عن أبواق المروق ويعمل بدأب في سبيل التعاون المحمود، بعيدا عن أولئك الأدعياء فيما يتخيلونه من أوهام لم يحن حينه أو يبدو صوابها.


"
 
 
 
  المزيد من المقالات لنفس الكاتب