جمهورية سريلانكا جمهورية سريلانكا
أمـــير أجـــــــــود
خريج كلية التربية – جامعة الأزهر
"

تفخر سريلانكا بتراثها التاريخي، الذي ينبع من حضارة مزدهرة، يرجع تاريخها إلى أكثر من 2500عام؛ حيث إنه تم حكم سريلانكا بلا انقطاع لمدة 2500 عام من قبل سلالة واحدة من السريلانكيين، إلى أن تم تسليم الجزيرة إلى المستعمرين الأوربيين.

تألق اسم الجزيرة في تاريخ العالم، حتى أطلق عليها العديد من الألقاب المتنوعة في عالم اليوم، وهذه الألقاب تدل على مكانتها العظيمة، وحضارتها العريقة، وثقافتها الغنية، وعلاقاتها: الاقتصادية والدبلوماسية، على مدى تاريخها الطويل منذ زمن بعيد.

وكانت تسمى بالمسميات المختلفة لجمالها الجذاب وأرضها الخصبة، ومناخها الأستوائي، ابتداء من الآريين (Ariyans)، حيث وصفوها بأنها "تامباني" (thambapanni) يعني نحاسي اللون، وأطلق الأمير "فيجايا" وأتباعه هذا الأسم عليها، عندما وجدوا المياة العذبة على شاطئ الجزيرة، وأطلق على هذه المنطقة "تامباني"، ثم بعد ذلك أطلقت هذه التسمية على الجزيرة بأكملها، لوفرة المياه العذبة في كل مكان.

ثم حور الإغريق واليونان والرومان القدامى هذا الأسم إلى "تابروبان" (taprobane)، كما كان اليونان أول من رسم خريطة للجزيرة قبل الميلاد وسموها "تابروبانا" كما أطلق عليها الصينيون والهنود عدة أسماء، أشهرها "لانكا، سيلان"، وأطلق عليها التاميل "عيلا ناري"، وأطلق عليها البراهمة "لانكا"، ولكن أجمل اسم أطلق على الجزيرة كان ما أطلقه عليها الصينيون وهو "أرض بلا أحزان".

وقد عرفها العرب وبلاد فارس بأسماء عديدة، منها "سرنديب"، و"سيلان". و"لؤلؤة المحيط الهندي، وقنطرة الهند، وبلد المجوهرات، وبلد الأحجار الكريمة، وجزيرة البهارات، وجزيرة الشاي"، وكما أطلق عليها العرب "جزيرة الياقوت" لكثرة الياقوت بها، وأطلق عليها أيضا "سيلان" لغزارة الأمطار بها، فكانت تشبه السيول، وكانت كلمة سلان نسبة إلى ذلك السيل المنهمر.

كما عرفت سريلانكا عند المستعمرين البرتغاليين بـ"سيلو" (ceilao - seylao)، وعند الهولنديين بـ"سيلون أو زيلون"، أما البريطانييون فسموها "سيلون" (ceylon).

ويتضح مما سبق أن جزيرة سريلانكا كانت معروفة لدى الشعوب بالمسميات المتنوعة؛ وذلك نظرا لتعدد وافديها ومستعمريها، ولكن أكثر شيوعا كان "سيلان وسيلون"، وظل اسم "سيلون" للجزيرة حتى عام 1972م، وفي النهاية استقر أعضاء البرلمان على اسم واحد لبلدهم وهو (سريلانكا). فالتسمية بسريلانكا تسمية جديدة استعملت بعد استقلال الجزيرة، وخاصة بعد عام 1972م.

أ-الوضع الجغرافي:

تقع الجزيرة شمال خط الاستواء بين دائرتي عرض (55.4) و (50.9) شمالا، وبين خطي طول (79.42) و (81.45) شرقا، وتبعد الجزيرة عن خط الاستواء 4 درجات عرض فقط، أي (880) كم شمالا، وموقع الجزيرة بالقرب من مدار المحيط الهندي يعطيها مناخا ممتازا على مدار السنة.

وجمهورية سريلانكا درة المحيط الهندي في قلب آسيا، وهي إحدى الدول الآسيوية، وتقع في جنوب آسيا وفي جنوب بلاد الهند، ويفصل هذه الجزيرة الاستوائية الخضراء المشمسة الواقعة جنوبي الهند عن شبه القارة الهندية "مضيق بالك"، الذي لا يبعد سوى (29)كم عن الحافة الجنوبية للهند. والدول المجاورة لها هي: الهند في الجنوب، وجزر المالديف في الشرق.

ويحدها من الشمال الشرقي خليج البنغال، ومن الشمال الغربي خليج منار، الذي يفصلها عن القارة الهندية؛ وهي بذلك تمتلك برزخا أرضيا مهما في المنطقة، وتشبه الجزيرة في شكلها ثمرة الكمثري، وتتكون من غابات: استوائية، وساحلية، وشبه استوائية، تغطي معظم أراضي الجزيرة.

المساحة:

يبلغ أقصى طول الجزيرة من الجنوب إلى الشمال 435كم (270) ميلا، ويبلغ أقصى عرض من شرقها إلى غربها (240)كم (140) ميلا، أما مساحتها الإجمالية فتبلغ (25.332) مربعًا، أي (65.610)كم2. تعتبر هذه الجزيرة صغيرة من حيث المساحة، إلا أنها غنية في مصادرها الطبيعية، كما أنها تتمتع بتنوع خاص في الأحوال الجوية.

الحالة السكانية:

يتكون شعب سريلانكا من أجناس متعددة، ويبلغ عدد السكان 21 مليون نسمة، ويشكل البوذيون فيها الأغلبية بنسبة 70.2% وهم السنهاليون، وينحدرون من شعوب شمال الهند، وتعرف لغتهم بالسنهالية، ثم الهندوسيون بنسبة 12.6% وهم التاميلون، وينحدرون من جنوب الهند، ويشكلون ثاني مجموعة عرقية في سريلانكا. ويكون المسلمون بنسبة 9.7% وهم أحفاد العرب، وبعضهم من الأصول الهندسية الباكستانية، والبعض الآخر من سلالة الملايو، ويشكلون ثالث مجموعة عرقية في سريلانكا.

ويطلق على مسلمي سريلانكا عدة مسميات في السجلات: التاريخية والحكومية، ومن أهمها المور (moors)، والملايو (malays) نظرًا لأن مجموعة سكان مسلمي سريلانكا 96% من المور، و4% من الملايو.

والمور هم أحفاد العرب يتحدثون لغة التاميل ويدينون الإسلام، والملايو هم أحفاد السكان القادمين من الملايو مما يعرف حاليا (بجمهورية إندونيسيا)، ويتحدثون اللغة: المالوية والتاميلية والسنهالية ويدينون بالإسلام.

ويشكل المسيحيون نسبة 7.4% من مجموع السكان، وهناك مجموعة عرقية صغيرة، تشمل "الفيدا" و"البرغر" ونسبتهم 0.1% من مجموع السكان، و"الفيدا" هم سكان البلاد الأوائل، و"البرغر" هم من سلالة البرتغاليين والهولنديين الذين تصاهروا مع السكان.

وهذه هي الأجناس الرئيسية الثلاثة في هذا البلد، الذي يضم خليطا من كل شيء: الأجناس والأديان واللغات والعادات والتقاليد، وهو تجسيد حي المناخ التسامح؛ حيث يعيش شعبها بأمن وسلام.

ب-الوضع الاجتماعي:

تعتبر جزيرة سريلانكا همزة الوصل بين دول الشرق الأقصى في قارة آسيا، وبين العالم العربي والفارسي؛ وكل هذه الظروف والعوامل جعلت الجزيرة ملتقى: تجاريا وثقافيا ودينيا منذ أقدم العصور؛ لذا لا يستغرب وجود طوائف مختلفة: لغويا وثقافيا ودينيا في هذه الجزيرة الصغيرة، وما كان لها صلحة تاريخية قديمة وحديثة مع البلدان العربية والعجمية على مدار تاريخها الطويل.

يتمتع شعب سريلانكا بعادات وتقاليد عريقة، وثقافات غنية ومتنوعة، والثقافة السريلانكية لا تتفق كلها مع الثقافة الإسلامية، فبالإضافة إلى مكون الثقافة الإسلامية هناك الثقافة: البوذية، والهندوسية، والمسيحية، فتختلف عادات وتقاليد المجتمع الإسلامي في سريلانكا عن المجتمعات الأخرى داخل الجزيرة وخارجها.

الدين:

البوذية الدين الرسمي للدولة؛ وفقا للدستور مع كافة حرية العقيدة والعبادة لأتباع الديانات الأخرى من السكان: مثل: الهندوسية والمسيحية والإسلام، والشعب السريلانكي متدين بطبعه؛ حيث تكثر المعابد: البوذية والهندوسية والكنائس والمساجد الإسلامية في الحضر والريف على السواء؛ حيث يجاور المسجد فيها المعبد البوذي أو المعبد الهندوسي، أو الكنيسة المسيحية في بعض الأماكن بالجزيرة.

اللغات القومية:

اللغة الرسمية لجمهورية سريلانكا هي اللغة: السنهالية والتاميلية، ومع ذلك تستخدم اللغة الإنجليزية على نطاق واسع في أغلب الأعمال: التجارية والحكومية، أما اللغة السنهالية فهي لغة البوذيين وجماعة السنهال، واللغة التاميلية هي لغة الهندوس وجماعة التاميل.

وهناك تقسيم آخر للمواطنين من حيث اللغة؛ وعلى هذا الأساس ترى كل البوذيين وجزءًا كبيرا من المسيحيين يطلق عليهم بالسنهال (sinhalese)؛ لكونهم يتكلمون اللغة السنهالية، وكل الهندوس والجزء الآخر من المسيحيين يطلق عليهم "التاميل" (tamils)؛ لكونهم يتكلمون اللغة التاميلية.

أما المسلمون الذين يعيشون في المناطق السنهالية فيستخدمون اللغة السنهالية، والمسلمون الذين يعيشون في المناطق التاميلية وهم يستخدمون اللغة التاميلية، ولكن معظم المسلمين يستخدمون اللغة التاميلية في حياتهم اليومية.

ج ـ الوضع الاقتصادي:

يقاس تقدم الدول وقوتها من خلال مواردها الاقتصادية؛ فالموارد الاقتصادية تلعب دورًا مهما في حياة الأمم والشعوب، فهي عنصر جوهري في كل ما يتصل بمشروعات التخطيط: القومية والإقليمية.

تعتبر سريلانكا النجم الصاعد في الاقتصاد الآسيوي، وهي تقع في وسط طرق الشحن العالمية، كما أنها تلعب دورا حيويا في التجارة العالمية كحلقة اتصال بين الشرق والغرب. وتعد سريلانكا دولة نامية، تنتقل اليوم بشكل تدريجي إلى الاقتصاد الصناعي الحديث، ويتمتع سكانها بأعلى دخل للفرد في منطقة جنوب آسيا، ودخل الفرد يصل إلى 2923دولا أمريكي، وهي أعلى قيمة في منطقة جنوب آسيا، وتتوقع الحكومة أن يصل دخل الفرد غلى 4000 دولار أمريكي في عام 2016م.

وكانت سريلانكا أول دولة في منطقة في جنوب آسيا تطبق سياسة الاقتصاد المفتوح في عام 1977م فهناك استثمارات أجنبية كبرى في مجالات المنسوجات والبنوك والاتصالات والإنشاءات، وكثير من المجالات الأخرى، كما وقعت اتفاقية التجارة لاحرة مع عدد من الدول منها: الصين، والهند، وباكستان، وتم عقد اتفاقيات لترويج وحماية الاستثمارات مع أكثر من ثلاثين دولة.

وفي عام 2013م استثمر أكثر من 2500 شركة أجنبية، والتي تمثل حوالي 50 دولة بشكل رسمي في قطاعي: الصناعات والخدمات في سريلانكا.

وقد اكتسبت سريلانكا أهميتها الاستراتيجية منذ القدم؛ بسب وقوعها في ملتقى طرق الشحن العالمي، فهي اليوم غنية بمواردها الاقتصادية المختلفة، فظروفها الطبيعية من حيث الموقع، والمناخ، والنبات الطبيعي، وتركيبها الجيولوجي، لعبت دورًا رئيسيًا في تنوع الموارد الاقتصادية بالجزيرة، وجعلتها متميزرة بالنسبة لباقي أقاليم العالم. وهذا ما يميز سريلانكا عن غيرها من دول الجوار الآسيوي؛ مما جعلها وجهة رئيسية للنشاط الاقتصادي، خصوصا من مجلس التعاون الإقليمي (السارك) الذي يضم في عضويته دول جنوب آسيا الثماني، وهي: الهند، وسريلانكا، وباكستان، وبنجلاديش، وبوتان، وأفغانستان، وجزر المالديف ونيبال.

وتشتهر سريلانكا اليوم بإنتاج الشاي والبن والبهارات، ولكنها كانت مشهورة قديما بتصدير الأحجار الكريمة واللؤلؤ، والمرجان، والعاج، والأفيال، والنسيج وغيرها إلى الخارج، وكانت الجزيرة مشهورة بالأحجار الكريمة منذ القرون المسيحية المبكرة؛ حيث وصفوها "سيلان بلد إنتاج المجوهرات".

ولهذا كان الكثير من الأمراء والملوك يصفونها بأنها "جزيرة الأحجار الكريمة"، و"بلد المجوهرات"، وكانت مشهورة بجزيرة الياقوت، ويوجد فيها اليوم مدينة باسم "مدينة راتنا بوري" (rathnapura) أي مدينة الأحجار الكريمة، كما تعدد الإمكانات الاقتصادية في سريلانكا ما بين الزراعة والصناعة والخدمات.

دـ الوضع السياسي:

ظلت الجزيرة زهاء أربعة قرون ونصف القرن حوالي (450عاما) تحت نيران الحكم الأوروبي، وكانت حالها تنتقل من سيء إلى أسوأ في النواحي: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، إلى أن بدأـ أشعة فجر خافتة باهتة تنير لياليها مع قدوم الحركة السياسية القومية.

فقد ربط عنق الجزيرة نيران الاستعمار البرتغالي زهاء قرن ونصف القر، ثم أطبقت عليها الظلمات بدخولها تحت الحكم الهولندي، وباتت تتعثر خطاها في هذا الليل الموحش المظلم زهاء قرن ونصف القرن إلا قليلاً.

إلى أن قدمت الحملة البريطانية، ثم أخذت هذه الأشعة تسطع وتتسع، حتى غمرتها أشعة شمس مشرقة في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، ثم سطع نهارها، وتوهجت شمسها بعد الحركة السياسية القومية، فنالت الاستقلال في 4 فبراير عام 1948م.

نظام الحكم:

سريلانكا جمهورية رئاسية، والسلطة التنفيذية في يد الحكومة، أما السلطة التشريعية فتتقاسمها الحكومة مع البرلمان، وتأخذ سريلانكا بنظام التعددية الحزبية، ينتخب الرئيس بالاقتراع العام الحر المباشر لمدة ست سنوات، ويحق له ولاية ثانية، وهو يقوم بتعيين رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة، ومهمتهم تسيير دفة الحكم في البلاد.

يتألف البرلمان من 225مقعدا على شكل النسب، ينتخبون لمدة خمس سنوات، ويحق الاقتراع لمن يبلغ عمره 18عاما، سواء من الذكور أو الإناث.

تعد المحكمة العليا أعلى هيئة قضائية في البلاد، ومحكمة الاستئناف، ويعين القضاة من قبل الخدمات القضائية، كما يتحدد نوع القانون، الذي يطبق في القضايا الشخصية ـ مثل الزواج والطلاق ـ بناء على ديانة الأشخاص المعنيين أنفسهم، فإذا كانوا مسلمين تطبق عليهم الشريعة الإسلامية وهكذا.

هـ ـ الوضع التعليمي:

من المعلوم أن جمهورية سريلانكا تمتاز بأرقى التعليم، ويهتم المواطنون بالتعليم اهتمامًا بالغًا منذ مرحلة الحضانة إلى المرحلة الجامعية وما بعدها، وتزيد نسبة التعليم في سريلانكا يوما بعد يوم، حيث تبلغ نسبة التعليم 97.3%، وتأتي نسبة التعليم 95.8% للذكور، ونسبة التعليم 93.0% للإناث من عدد السكان، وهي نسبة كبير قد لا تتوافر حتى في بعض الدول المتقدمة في أوروبا، فتأتي نسبة التعليم في سريلانكا أكبر نسبة في آسيا بعد اليابان.

حيث تعد سريلانكا من الدول المتقدمة في مستوى التعليم على نطاق دول جنوب آسيا، وبلغ متوسط الأعمار 75 عاماً، ويوضح هذا الجهو التي تبذلها الدولة في مجالات التنمية البشرية المختلفة كالتعليم والصحة وغيرهما من المجالات.

والتعليم في سريلانكا مجاني ابتداء من مرحلة الروضة وانتهاءً إلى المرحلة الجامعية، وهو إلزامي بالنسبة للأطفال من سن الخامسة إلى سن الرابعة عشرة، وبعبارة أخرى فهو إجباري من الصف الأول إلى الصف التاسع.


"
nix 22 nix wie weg nix infamous
 
 
 
  المزيد من المقالات لنفس الكاتب