"خوارج العصر..!! "خوارج العصر..!!
د.عمر عبد الله كامل
المفكر الإسلامى
"
أكد. د. عمر عبد الله كامل عضو مجلس إدارة الرابطة العالمية لخريجى الأزهر أن للخوارج معالم وصفات يتميزون بها، من بينها:

الطعن فى مخالفيهم وتضليلهم وتكفيرهم..ودليل ذلك: طعنهم فى الرسول صلى الله عليه وسلم وقسمته وتكفيرهم لأمير المؤمنين عثمان، وعلى بن أبى طالب، والحكمين وأصحاب الجمل.. وسوء الظن، ودليل ذلك اتهامهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم الإخلاص فى القسمة لأنهم لم يفهموا مقصده السامى لقصر نظرهم ومرض قلوبهم.. والمبالغة فى العبادة بغير علم: «يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم..والشدة على المسلمين: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان».. وقلة الفقه لعدم تتلمذهم على يد الصحابة: «يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم»..ونقص التجربة والخبرة وصغر السن وسفاهة العقل «أحداث الأسنان سفهاء الأحلام».

 

قال فى بحث علمى بعنوان:»صفات ومعالم خوارج العصر» إن خير من يرشدنا لهذه الصفات ويدلنا إليها هو النبى صلى الله عليه وسلم. ولكن قبل أن أشرع فى بيان هذه الصفات أود الإشارة إلى أهمية ذكرها..فذلك يكشف لنا معالم الغلو لدى الخوارج وأسبابه ودوافعه بما يقى المرء من الوقوع فيها خاصة أن وجودهم مستمر إلى آخر الزمان كما أنبأنا النبى صلى الله عليه وسلم.

وفيما يلى صفات هؤلاء الخوارج كما دلت عليها الأحاديث النبوية الشريفة:

أولاً-الطعن والتضليل:

من أبرز صفات الخوارج الطعن فى أئمة الهدى وتضليلهم، والحكم عليهم بالخروج عن العدل والصواب.. وقد تجلى ذلك فى موقف ذى الخويصرة مع رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، حيث قال ذو الخويصرة: «يارسول الله، أعدل».. فقد عد ذو الخويصرة نفسه أورع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجور والخروج عن العدل فى القسمة.

لازمت هذه الصفة الخوارج عبر التاريخ،ويقول ابن تيمية عنهم: «فهؤلاء أصل ضلالهم، اعتقادهم فى ائمة الهجى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل وأنهم ضالون، وهذا مأخذ الخارجين عن السنة من الرافضة وغيرهم. ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفرًا، ثم يرتبون على الكفر أحكاما ابتدعوها».

ثانيًا-سوء الظن:

هذه صفة أخرى للخوارج تجلت فى حكم شيخهم ذى الخويصرة الجهول على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم الإخلاص حيث قال: «والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله»، فذو الخويصرة الجهول لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطى السادة الأغنياء، ولم يعط الفقراء، لم يحمل هذا التصرف على المحمل الحسن، وهذا شيء عجيب خصوصًا أن دواعيه كثيرة، فلو لم يكن إلا أن صاحب هذا التصرف هو رسول الله صلى الله عليه وسلم لكفى به داعيا إلى حسن الظن، ولكن ذا الخويصرة أبى ذلك، وأساء الظن لمرضه النفسي، وحاول أن يستر هذه العلة بستار العدل، وبذلك احتال عليه إبليس، فأوقعه فى مصايده.

فينبغى على المرء أن يراقب نفسه، وأن يدقق فى دوافع سلوكه ومقاصده، وأن يحذر هواه، وأن يكون منتبها لحيل إبليس:لأنه كثيرًا ما يزين العمل السيء بغلاف حسن براق، ويبرر السلوك القبيح باسم مبادئ الحق، ومما يعين المرء على وقاية نفسه، والنجاة بها من حيل الشيطان ومصايده، والعلم.

فذو الخويصرة لو كان عنده أثارة من علم، أو ذرة من فهم لما سقط فى هذا المزلق.

والآن ندع المجال لعلماء الإسلام ليظهروا لنا عظمة التصرف النبوى، وحكمته صلى الله عليه وسلم الفائقة فى معالجة الأمور.. يقول ابن تيمية:

«لما كان عام حنين قسم صلى الله عليه وسلم غنائم حنين بين المؤلفة قلوبهم من أهل نجد والطلقاء من قريش كعيينة بن حصن..ولم يعط المهاجرين والأنصار شيئًا». أعطاهم ليتألف بذلك قلوبهم على الإسلام، وتأليفهم عليه مصلحة عامة للمسلمين.. والذين لم يعطهم هم أفضل عنده وهم سادات أولياء الله المتقون وأفضل عباد الله الصالحين بعد النبيين والمرسلين، والذين أعطاهم منهم من ارتد عن الإسلام قبل موته.. وعامتهم أغنياء لا فقراء.

فلو كان العطاء للحاجة مقدما على العطاء للمصلحة العامة لم يعط النبى صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأغنياء السادة المطاعين فى عشائهم، ويدع عطاء من عنده من المهاجرين والأنصار الذين هم أحوج منهم وأفضل.

وبمثل هذا طعن الخوارج على النبى صلى الله عليه وسلم وقال له أولهم:

«يا محمد اعدل فإنك لم تعدل، وقال: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله...» وأنهم مع كثرة صومهم وصلاتهم وقراءتهم أخرجوا عن السنة والجماعة، وهم قوم لهم عبادة وورع وزهد، ولكن بغير علم فاقتضى ذلك عندهم أن العطاء لا يكون إلا لذوى الحاجات، وأن إعطاء السادة المطاعين الأغنياء لا يصلح إلا لغير الله بزعمهم، وهذا من جهلهم.

فإن العطاء إنما هو بحسب مصلحة دين الله.. فكلما كان لله أطوع، ولدين الله أنفع، كان العطاء فيه أولى. وعطاء محتاج إليه فى إقامة الدين، وقمع أعدائه وإظهاره وإعلانه أعظم من إعطاء من لا يكون كذلك، وإن كان الثانى أحوج.

فينبغى على المرء أن يكون ذا بصيرة، مدركا لشيء من فقه الدعوة ومقاصد الشريعة، حتى لايزل فى المتشابهات ويحار فيهوى ويضيع ويسيء الظن والذم مع قيام موجبات المدح والثناء.

ثالثًا-المبالغة فى العبادة:

أرشدنا إلى هذه الصفة قوله صلى الله عليه وسلم: «يخرج قوم من أمتى يقرأون القرآن. ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء. ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء. ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء».

فالمبالغة فى العبادة من صيام وقيام، وذكر وتلاوة قرآن أمر اشتهر به الخوارج..»فقد عرفوا باسم القراء لشدة اجتهادهم فى التلاوة والعبادة إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن. على غير المراد منه، ويستبدون برأيهم ويتنطعون فى الزهد والخشوع وغير ذلك».. ويصف ابن عباس هذه المبالغة عندما ذهب لمناظرتهم فيقول:»فدخلت على قوم لم أر قط منهم اجتهادًا،جباههم قرحة من السجود، وأياديهم كأنها ثفن الإبل، وعليهم قمص مرحضة – أى مغسولة – مشمرين، مسهمة –متغير لونها- وجوههم من السهر».

وهذا موقف يدل على حصرهم على الذكر فى أشد الأحوال.. يقول ابن الجوزي: «فلما مات على – رضى الله عنه – أخرج ابن ملجم ليقتل، فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه، فلم يجزع ولم يتكلم، وكحل عينيه بمسمار محمى فلم يجزع، وجعل يقرأ: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ» (العلق: 1-2)حتى ختمها وإن عينيه لتسيلان.

فعولج على قطع لسانه فجزع، فقيل له: لم تجزع؟ فقال: أكره أن أكون فى الدنيا مواتا لا أذكر الله، وكان رجلا أسمر فى جبهته أثر السجود لعنه الله عليه.

مع أنه ورد فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أشقى الأمة، صنو قاتل الناقة، فلا ينبغى أن نغتر بمظهرهم الحسن، فأهم علامات الجهل لديه الجزع بقطع اللسان من أجل الذكر، ولو كان عالمًا لفهم أن الذكر القلبى يفضل عن الذكر اللسانى بأضعاف كثيرة.

لكن هذه العبادة لم تنفعهم، ولم يستفيدوا منها، فقد كانت كالجسد بلا روح، والشجر بلا ثمر، إذ لم تهذب أخلاقهم، وتزك نفوسهم، وترقق قلوبهم، فالعبادات شرعت لذلك قال تعالى: «وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ» (العنكبوت:45).. وقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (البقرة: 183).

فلم يكن نصيب هؤلاء الحمقى من القيام إلا السهر، ومن الصيام إلا الجوع، ومن التلاوة إلا بح الصوت.

إن حال الخوارج هذا يرشدنا إلى فائدة يقول عنها ابن حجر: «لا يكفى فى التعديل ظاهر الحال، ولو بلغ المشهود بتعديله فى العبادة والتقشف والورع حتى يختبر باطن حاله».

رابعًا-الشدة على المسلمين:

لقد عرف الخوارج بالغلظة والجفوة، وقد كانوا شديدى القسوة والعنف على المسلمين، فاستحلوا دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم فروعوهم وقتلوهم.. «أما أعداء الإسلام من أهل الأوثان وغيرهم فقد تركوهم ووادعوهم فلم يؤذوهم.. ويخبرنا الرسول- صلى الله عليه وسلم-عن هذه الصفة بقوله: «يقتلون أهل الإسلام،ويدعون أهل الأوثان».

ولقد سجل التاريخ صحائف سوداء للخوارج فى هذا السبيل فمن ذلك هذا الموقع المروع: « لقى الخوارج فى طريقهم عبد الله بن خباب، فقالوا: هل سمعت من أبيك حديثًا تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدثناه؟ قال: نعم.

سمعت أبى يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشى فيها خير من الساعي، فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول.. قالوا: أنت سمعت هذا من أبيك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. 

فقدموه على شفير النهر، فضربوا عنقه، فسال دمه كأنه شراك نعل، وبقروا بطن أم ولده عما فى بطنها وكانت حبلى، ونزلوا تحت نخل مواقير- كثيرة الحمل بالرطب- بنهروان فسقطت رطبة فأخذها أحدهم، فقذف بها فى فيه. فقال أحدهم: أخذتها بغير حقها، وبغير ثمنها، فلفظها من فيه. واخترط أحدهم سيفه، وأخذ يهزه، فمر به خنزير لأهل الذمة. فضربه به، يجربه فيه فقالوا: هذا فساد فى الأرض. فلقى صاحب الخنزير فأرضاه فى ثمنه.

هذه معاملة الخوارج للمسلمين: قسوة وشدة وعنف، فلم ينتفعوا بكثرة تلاوتهم للقرآن وذكرهم، إذ لم يهتدوا بهديه ولم يسلكوا نهجه فقد «وصف الشارع الشريعة بأنها سهلة سمحة، وإنما ندب إلى الشدة على الكفار وإلى الرأفة بالمؤمنين فعكس ذلك الخوارج».

قال تعالى: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ» (الفتح:29).

خامسًا- قلة الفقه:

إن من آفات الخوارج الكبرى: ضعف فقههم لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقصد بذلك سوء فهمهم وقلة تدبرهم وتعقلهم، وعدم إنزال النصوص منازلها الصحيحة.

ولقد أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا المرض الخطير حيث قال فيهم: «يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم». فلا حظ للفهم الصحيح لديهم.

فقد شهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بكثرة التلاوة والقراءة لكتاب الله تعالى ومع ذلك هم مذمومون. لماذا؟.. لأنهم لم ينتفعوا به، لآفة الفهم العقيم، والتصور المنحرف الذى أصيبوا به، فلم يحسنوا الاستشهاد بالوحى المنير فوقع منهم شر مستطير، فأرهقوا أنفسهم والعباد معهم.

قال الحافظ ابن حجر: قال النووي: المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلا مروره على لسانهم، لا يصل إلى حلوقهم، فضلا عن أن يصل إلى قلوبهم:لأن المطلوب تعقله وتدبره ووقوعه فى القلب.. قلت: وهو مثل قوله فيهم أيضا: «لا يجاوز إيمانهم حناجرهم» أى: ينطقون بالشهادتين ولا يعرفونها بقلوبهم.

إن آفة سوء الفهم وقلة الفقه ذات خطر عظيم، ولقد جنت هذه الآفة على الأمة الإسلامية، وأصابتها بجراح خطيرة فقد دفعت أصحابها إلى تكفير الصالحين وتضليلهم والطعن فيهم بغير حق، ثم نشأ عن ذلك شقاق،وفراق وعراك،وظلم وبغى واعتداء.

أدى هذا الفهم السقيم إلى مخالفة إجماع السلف فى العديد من المسائل، لجهلهم، وإعجابهم برأيهم، وعدم سؤال أهل الذكر فيما اشتبه عليهم.

إن آفة سطحية الفهم، وقلة الفقه، قد جعلتهم يضلون فيما يستنبطون رغم قراءتهم الكثيرة، واستشهادهم بالنصوص القرآنية والنبوية لكن فى غير مواضعها.

وصدق الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم إذ يقول فيهم: يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم».. «يقولون من قول خير البرية» يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم».. «يحسنون القيل، ويسيئون الفعل..يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه فى شيء».

سادسًا- حداثة السن وسفاهة الحلم:

مما لوحظ على الخارجين عن سبيل العدل والهدى، حداثة السن وسفاهة الحلم،وذلك مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم:Aسيخرج فى آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام».

يقول الحافظ ابن حجر: «أحداث الأسنان: المراد أنهم شباب.. وقوله: سفهاء الأحلام: المعنى أن عقولهم رديئة.. وقال النووي: إن التثبت وقوة البصيرة، تكون عند كمال السن، وكثرة التجارب وقوة العقل».

نعم: إن حداثة السن تصاحب غالبًا قلة العلم، وعدم سبور غور الأمور والأحداث ورؤيتها رؤية بعيدة، بل سطحية عاجلة، وذلك لقلة التجارب ونقص الخبرة، وإن الشباب يتميزون بالحماس. ويزداد هذا الحماس إذا كان للدين.

فإذا اجتمعت حماسة الشباب، وقلة العلم، ونقص التجربة، والإعراض عن أهل الذكر أثمر ذلك غلوًا وتطرفًا.. وإن حداثة السن لما صاحبت سفاهة الحلم أنتجت تصرفات غريبة وسلوكًا عجيبًا.


 
 
 
  المزيد من المقالات لنفس الكاتب