"(وداعاً: د/ عبد الفتاح الشيخ) "(وداعاً: د/ عبد الفتاح الشيخ)
أ.د/ جعفر عبد السلام
"الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية
"

انتهت السبت 1 من ذي القعدة رحلة عطاء لأحد علماء الأزهر الذين بذلوا حياتهم في خدمته تعليماً وعلماً ودعوة, إنه رجل الأزهر عبد الفتاح الشيخ الذي كان رئيساً لجامعة الأزهر لفترتين متتاليتين, ورئيساً للجنة الفقه في مجمع البحوث الإسلامية وأستاذاً لمادتي الفقه والأصول في العديد من الجامعات والمعاهد العلمية, كمعهد الدراسات الإسلامية, وقد ألف سيادته في العديد من الموضوعات المتصلة بتخصصي الفقه والأصول, ويعتبر نموذجاً للأزهري المتمسك بأزهريته المؤمن بقيمة هذا الصرح العلمي الذي ورث فيه العلم كابراً عن كابرٍ, فوالده كان يدرِّس نفس تخصصه, وأمد الله في عمره ليظل هو وابنه يدرِّسان معاً نفس العلوم وقضى والده منذ سنوات قليلة وظل هو يحمل الأمانة ويؤدي رسالة التدريس والبحث وإبداء الآراء الفقهية من خلال لجنة الفقه في المجمع.

        وعُرف عنه دائماً تشدده في الرأي, وصلابته في الذود عما يراه صحيحاً, والدخول في معارك مع من يختلف معه في الرأي حتى ينتصر لرأيه طالما آمن أنه هو الصحيح, ولم يكن - رحمه الله- يتنازل لخصمه طالما رأى أن رأيه خطأ, أو أن الرأي قام بدافع من مجاملة لشخص أو لأي اتجاه.

    إن صلابته في الحق وقوته في الدفاع عما يراه صحيحاً أمر يشهد به أعضاء المجمع وأعضاء لجنة الفقه, كما عُرف عنه أنه لم يكن يجامل سلطة أو حاكما أو نظاماَ؛ لذا كان بعيداً عن المناصب الرسمية المتصلة بتخصصه, وتجلَّى عليه بغفرانه وأسكنه فسيح جناته. فلم أر أن تمضي حياة هذا الرجل دون وقفة تبين فضله على أجيال من طلاب الأزهر وأساتذته.

ويعترف المنصفون أن الرجل اختط خطاً صارما في إدارته للجامعة، إذ كان الكثيرون ينتقدون شدته، ويعيبون عليه حدته، لكنه لم يعبأ بهذا الانتقاد، بل كان يرى أن هناك ترديا في الأوضاع في الجامعة يحتاج إلى الحزم وإلى إنفاذ القوانين واللوائح على الكافة دون خشية من حاكم أو سلطان، ودون النظر إلى محبٍ أو كارهٍ، فقد كان الله  تعالى أمامه في كل ما يقوم به من أعمال، وما يتخذه من قرارات.

عاشرته فترة ليست بالقصيرة عندما اختارني نائبا لرئيس الجامعة ومديراً لمركز الاقتصاد الإسلامي بالجامعة، وكنت قريباً جداً منه في معظم ما كان يتخذه من قرارات وتوصيات، ويذكر المنصفون أن الرجل ترك بصمات واضحة في إدارة جامعة الأزهر ساعدت على تحقيق ما كان يصبو إليه من رُقي بأحوال الجامعة وفي جعلها تتبوأ مكانها اللائق بها بين الجامعات الإسلامية من ناحية وبين الجامعات الدولية من ناحية أخرى، كما كان له دوره الفاعل في نقل رابطة الجامعات الإسلامية من مدينة القرويين إلى مدينة القاهرة، وكان اسم الأزهر يرفرف على المؤتمرات والندوات العالمية التي عُقدت في أماكن متفرقة من العالم كأول جامعة أُسست في العالم الإسلامي، شهدتُ ذلك في مؤتمرات دولية عُقدت في إيطاليا وفي النمسا وفي فرنسا وغيرها.

لقد كان -رحمه الله- في فترة رئاسته للجامعة لا يتوانى أبداً في الاستجابة لأي مطلب يرفع من شأن الأزهر وجامعته، كما كان متعاوناً– تعاوناً صادقاً ارتقى بأحوال المؤسسة وأعطاها ما تستحقه من قوة وصدق. وهكذا عندما تتحد الهمم وتتفق الآراء على ما يحبه الله ويرضاه ويتم التعاون بإخلاص يكون التوفيق والرقي والسداد.

كما يذكر المنصفون أيضا أن الأداء العلمي والإداري في الجامعة كان في عصره الذهبي عندما تولى رئاسة الجامعة عبد الفتاح الشيخ، فقد اعتاد أن يأتي الجامعة فور أن يستيقظ مبكراً، ويتفقد مرافق الجامعة ومبانيها، ويطمئن بنفسه على حُسن قيام كل بواجباته، ويعلم الجميع أنه لم يكن يؤخر طلباً أو مصلحة لأحد، ولا شك أن نشاطه الإداري على وجه الخصوص قد أوجد روحا جديدة لدى العاملين بالجامعة، فلم يكن يسمح لأحد أن يتهاون في أداء عمله أو يقصر فيما عليه من واجبات.

لقد أحدث نقلة نوعية في أداء العمل في الجامعة، حيث كان موضوعياً نستطيع أن نختلف معه دون أن يترك ذلك أثراً على حيدته والقيام بواجبه، ودائما ما كان يراجع أعمال الجامعة ولا يترك مظلوما دون أن يعطيه حقه، ولا مقصرا في واجب إلا اقتص منه ودفعه دفعا للعمل على قضاء المصالح.

لقد ترك عبد الفتاح الشيخ نموذجا طيباً ساميا للعمل في جامعة شامخة كبيرة، اتسعت مبانيها ومرافقها وبالتالي أعمالها في فترة رئاسته اتساعا كبيرا، ويشهد الجميع أن عصر رئاسته للجامعة كان عصراً ذهبياً اتسم بالأداء المتميز الراقي وإعطاء كل ذي حقٍ حقه.

وصدق القائل:

وما الفضل إلا لأهل العلم إنهم        *      على الهدى لمن استهدى أدلاء

وفضل كل امرئٍٍ ما كان يحسنه       *      والجاهلون لأهل العلم أعداء

ففز بعلمٍ  تعش حياً به أبدا            *      الناس موتى وأهل العلم أحياء

رحمه الله رحمةً واسعة وأجزل له في العطاء بما يستحقه على ما قدَّم من علم وعمل.

فسلام عليه من غائب لن يعود      *      بل سلام عليه من حيٍ لن يفوته الخلود




"

 
 
 
  المزيد من المقالات لنفس الكاتب