"في ظلال الحج.. "في ظلال الحج..
"الحنفي حسين عسيلي
الموجه العام بمنطقة دمياط الأزهرية
"
قصدت في هذه السطور أن أطوف حول النسك، وأستنشق من عبيرها روائح الهداية إلى طريق النجاة، وسوف أقتصر في حديثي على نقاط ثلاث: 
الأولى: وقفة عرفات، وفيها من العمق وبعد النظر ما لا يراه كثيرون، إذ لا يوجد مؤتمر عالمي مثله في أي دين غير دين الإسلام، ولذلك نحزن ونتأسف كثيرا عندما نرى هذا الموقف يهمش ولا يفعل دوره في الصالح العام للمسلمين، فهم يجتمعون وينصرفون دون الاتفاق على أي مبدأ لجمع شمل المسلمين ووحدتهم وإنقاذ أموالهم وأراضيهم والعمل على إصلاح أبنائهم وأحوالهم. 
يكفي أن الله قد أحكم لهذا الموقف ضبط زمانه ومكانه، فالزمان هو التاسع من شهر ذي الحجة، يتوحد هذا اليوم تاريخيا في كل أنحاء الدنيا، والمكان هو جبل عرفات تجتمع الخلائق فيه رغم اختلاف أوطانهم وأجناسهم بزي موحد هو ملابس الإحرام، وصوت موحد هو صوت التلبية، كما أنه مؤتمر خاص بالمسلمين لا يشاركهم فيه غيرهم. 
وأغرب ما نراه في هذا الموقف المهيب الذي يزدحم بالملائكة ويباهي الله بعباده أن الميكروفون ينتقل من مندوب إلى مندوب يحيي بلاده ويدعوهم لأن ينظروه ويشاهدوه وهو يحدثهم من فوق جبل عرفات، ويهدى لأهل بلده كلمات جوفاء لا تنطوي على  دعوة لصالح المسلمين، ولا حل لمشاكلهم ، وإن دلت على شيء فإنما تدل على توثيق الفرقة والتمزق بين أمة الإسلام. 
والحقيقة أن كل مؤتمر عالمي أو على مستوى قارة من القارات في وقت انعقاده يحضره أشخاص يمثلون مجلس الأمن ومن الأمم المتحدة أو البيت الأبيض بحكم النظام الدستوري الدولي ولهم حق التدخل والمقاطعة، بل لهم الهيمنة على صياغة القرار النهائي للمؤتمر، كما أن المؤتمر بذلك يفقد سريته ولا يصبح خاصًّا بتلك الفئة التي دعت إليه، لكن الله جعل لنا موقف عرفات ليكون مؤتمرًا عالميًّا يخص المسلمين في شتى بقاع الأرض، وكل حاج من الحجاج مندوب عن أهل وطنه لحضور هذا المؤتمر الذي يخص المسلمين وحدهم وتتخذ فيه القرارات اللازمة لوحدة المسلمين وجمع شملهم والحفاظ عليهم  ومنع الفساد.
 وكذلك منع التدخل الأجنبي في خصوصيات المسلمين، وكذلك القضايا التي تقرع ضمائر الأحرار في كل لحظة وتناديهم من كل وجهة وتلوح إليهم مع كل طرفة عين مثل قضية فلسطين والعراق وكشمير وأفغانستان وما يترتب على ذلك من ازدحام السجون بالموحدين واستباحة الأرض والأرواح وما حدث في هذا العام فى كثير من بلادنا العربية من شعوب ثائرة على الظلم والاستبداد، وليست هناك فرصة لحل هذه المشاكل أفضل من هذا المؤتمر العالمي  الذي دعا إليه رب العباد، والذي ينعقد في مكان هو أشرف بقعة في الأرض. 
وقد علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم  كيفية الاستفادة من هذا الموقف في حجة الوداع، حيث ألقى خطبته التي عرفت بخطبة الوداع، والتي جعلها دستورا للمسلمين في كل تعاملاتهم،  حيث شملت كل جوانب الحياة.
وكان أولى بهذا الموقف أن يكون اتفاقًا وتوثيقًا وتفعيلًا لقول الله تعالى ?واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا? [آل عمران: 102]، وقوله تعالى ?إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين  أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون? [الحجرات:10]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم  كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى»، وقوله أيضاً: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا»، والحديثان رواهما البخاري ومسلم، وغير هذا كثير مما يدعوا إلى وحدة المسلمين.
 فهل نادى صوت واحد في هذا المؤتمر الجليل بأن يجتمع المسلمون تحت راية واحدة، ورأي واحد، تضمهم أمة كبرى تهابها كل شعوب الأرض، ويحققون لشعوبهم الأمن والرخاء والعزة والتقدم. 
الثانية: بئر زمزم، فجر الله ذلك النبع الفياض أمام السيدة هاجر وتحت أقدام سيدنا إسماعيل عليه السلام ، ولم يكن بهذه المنطقة ماء من قبل؛ فكان وجود الماء في هذا المكان حدثا عجيبا مما جعل العرب (قبيلة جرهم) يرسلون من يستطلع  لهم الأخبار لما رأوا الطيور تحوم وتحلق فوق النبع، فلما رجع الرسل وسألهم شيخ القبيلة هل وجدتم هناك ماء حقا؟ فأجاب الرسل بجملة لها عمق معنوي وبعد تاريخي، بل يجب أن يعيها كل مسلم في شتى بقاع الأرض، وتبقى عالقة في الأذهان وتقرع الآذان ما بقي الإنسان، وهذه الجملة أنهم قالوا لشيخ القبيلة: «وجدنا عين ماء تملكها امرأة».
فهم قد أقروا للسيدة هاجر بملكية الماء وأقروا لها بالسيادة، فمن حقها أن تعطي وأن تمنع، والماء عصب الحياة، ومن غير الماء لا حياة، قال تعالى: ?وجعلنا من الماء كل شيء حي? [الأنبياء: 30]، فهذه عزة الإسلام التي نفتقدها اليوم، السيدة هاجر كانت في أمس الحاجة إلى من تأنس به، بل كانت في أمس الحاجة إلى من يبيعها أو يتصدق عليها بشربة ماء، فجعلها الله سيدة المكان. 
واليوم تتفجر ينابيع البترول تحت أقدامنا، وحقول الغازفي أراضينا، ولا نحقق عزة ولا سيادة، بل تتراكم الديون على بلادنا، وتعيش شعوبنا عيشة الكد والفقر رغم هذا الخير الذى فجره الله .
الثالثة : الحلق، وهذا نسك من مناسك الحج، فبعد أن يرمي الحجاج الجمار، ويذبحون الهدي، يحلقون رؤوسهم، أو يقصرون شعرهم. 
وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاث مرات، ودعا للمقصرين مرة واحدة، وهذا دليل على أهمية الحلق. فقد روى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: رحم الله المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: رحم الله المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين». 
وقد فهمنا من أن المسلمين في حجة الوداع كانوا يظهرون قوتهم أمام أعدائهم ويعتزون بنعمة الله عليهم، وذلك واضح في رفع الصوت بالتلبية والاضطباع والرمل والسعي والهرولة بل وكل مناسك الحج. 
والحلق نسك تظهر فيه القوة، فلو تأملت صورة الصحابة الكرام وهم يحلقون رؤوسهم تماما وتراهم على الخيل كالأسود لعلمت أن الحلق إشعار بالقوة وكمال بالفروسية. 
ومشكلتنا في هذا العصر أننا مولعون بكل ما يأتي من الغرب ونتلقفه على أنه هو الصواب ونقلد الغرب تقليدا أعمى فإذا ظهرت في الغرب (موضة) قلدها شبابنا دون تفكير فقط لأن الغرب فعلوها، فمنذ عشرات السنين ظهر في الغرب ما يسمى بالخنفسة، وبالهيبزة وكلها أسماء ما أنزل الله بها من سلطان ومجتمعنا يقلدها دون وعي. 
وفى هذه الأيام ظهر فى الغرب فكرة حلق شعر الرأس كله، وجعلوها رمزا لكمال البطولة والفتوة، وسرعان ما فعل شبابنا مثلهم فنجد في بلادنا بعض الشباب الذي وجد في نفسه قوة وعافية نجده يحلق رأسه تماما ويفتخر بذلك. 
لكنه يفعل ذلك اقتداء بالغرب ويفعل ذلك تقليدا لأبطال المصارعة ومشاهير كرة القدم وينسى تماما أن هذا هدي إسلامي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا بالخير لمن يفعله، ومن بعده صحابته الكرام كانوا يفضلون الحلق على التقصير، فهل من عودة إلى هدي الرسول الكريم؟

"

 
 
 
  المزيد من المقالات لنفس الكاتب