"علماء الأزهر وتجديد العلوم "علماء الأزهر وتجديد العلوم
" أحمد يوسف المكي
عضو الرابطة العالمية لخريجي الأزهر
"

إن بقاء عبق الثناء بين الناس، وانتشار أريجه، لا يكون إلا بإسداء معروف لهم، وذلك المعروف يتمثل فى النهوض بهم معرفياً وأخلاقياً وسلوكياً، ولا يكون هذا الفعل إلا من أناس تميزوا برؤيتهم للواقع من جميع جوانبهم، وتحليلهم لما رأوه، وإدراكهم مقاصد الضعف التى تعيشها الأمة، ثم بعد ذلك يستخلصون نتيجة يكون بها السير بالأمة على وتيرة واحدة يكون بها إقناع العقول، وإشباع العواطف، فحفظ الناس بذلك سيرتهم، وحمد الناس طريقتهم، فلما عفت آثارهم، وغابت عن الناس مواريثهم، وادعى بعض الناس الانتساب إلى مدارسهم، أحببت أن أبين الأصيل من الدخيل، والذهب من البهرج .

والمجددون هم اللسان الناطقة، والحجة القائمة فى كل عصر؛ لأنهم يبحثون فى كل عصر عن عوامل النهضة لدى الأمة، وسبل تطويرها، وجعلها مواكبة للعصر، وإبراز الحضارة الإسلامية على قالب عصري، يتيسر به الانتفاع من الإرث العظيم الذى تركته لنا جهابذة الأمة المحمدية، دون أى تخلٍّ عن مبدأ من المبادئ الإسلامية، بل بإظهار محاسنها وأنها صالحة لكل زمان ومكان، لا كما يدعيه بعض الناس من أن التجديد لا بد وأن يصحبه نوع من الفوضى العلمية، وأن يتسنم ذرى العلم من يحسن ومن لا يحسن، وذلك باسم « التيسير»، وأن ينسلخ الإنسان من هوية الشريعة الإسلامية ويلحق بركاب الغرب، وكل ذلك باسم «مواكبة العصر» .

وشتان بين ما رمى إليه المجددون وما سار عليه المدعون، يظهر ذلك جلياً فى النتائج التى أحرزها المجددون بسير الناس بسيرهم، وما عليه المدعون من تخبط وعدم رؤية واضحة للهدف .

وسأقتصر فى حديثى هذا عن تجديد العلوم الإسلامية على يد السادة الأزهرية، لما لهم من تأثير واضح لكل ذى عينين على الأمة الإسلامية، وذلك أن فكرة التجديد فكرة عامة بينهم، سرى تطبيقها بين أفرادهم، من غير تواطؤ منهم على ذلك، الذى يدل بالالتزام على عالمية فكر الأزهر الشريف، وأن لديه قدرة على إيصال العلوم الإسلامية لكل متوجِّه لنيلها، وأن بالتلقى للعلوم الإسلامية ينضبط الفكر لدى الطلاب بل والمثقفين، حتى ينشروا ما يريدون باقتناع تام دون الانصياع لناعق أو ناغب .

وتبرز نواحى تجديد العلوم لدى علماء الأزهر فى ثلاثة أمور :

الأول: أنهم هضموا مسائل الفنون جيدا، وذلك يظهر من خلال مكتوباتهم .

والثاني: إدراكهم مواطن الصعوبة لدى الطالب فى كل فن .

والثالث: إدراكهم حاجة العصر للعلوم الإسلامية، وأن العلوم الإسلامية تحتاج لمن يربط بينها وبين الواقع .

وقد قام علماء الأزهر بهذه المهمة خير قيام، وقادوا الأمة فى أشد المواقف وأصعب الظروف، وخرجوا بها إلى بر الأمان، والتاريخ خير شاهد على ذلك. وسأسرد بإذن الله عددا من المؤلفات لجمع من علماء الأزهر الشريف، حتى أبرهن على ما قلته سابقا .

ففى علم النحو تفنن علماء الأزهر فى تقريب هذا العلم للطلاب، من خلال التعليق على بعض متونه، وحل معضلاته، وإعراب شواهده، وكل ذلك فى مؤلفات محقق العصر محى الدين عبدالحميد رحمه الله، وكذلك فى «تقريب الأزهرية» لمحمد عبدالمنعم خفاجى رحمه الله، وكذلك «شرح ألفية ابن مالك» للعلامة عبدالمجيد الشرنوبى رحمه الله .

 

وفى علم الصرف كتاب «شذا العرف» فى فن الصرف، وهو من خير ما كتب، وكذلك «توضيح الصرف» للمراغي، و«دروس التصريف» لمحى الدين عبدالحميد، رحم الله الجميع .

وفى علم البلاغة ما دبجته يراعة مولانا الشيخ محمود السيد شيخون فى كتابه الماتع «البلاغة الوافية»، ولحسن ترتيبه وتبويبه، كان مقررًا على الطلاب فى المعاهد داخل مصر وخارجها، وكذلك كتاب «زهر الربيع» ، لأحمد الحملاوي، وهو على شاكلة سابقه، وكذلك ما نمقته يمين السيد الفاضل أحمد الهاشمى فى «جواهر البلاغة»، رحم الله الجميع .

وأما عن علم المنطق فهم أربابة وآصله أساسه ، ودونك كتاب « تجديد علم المنطق » وكذلك الكتاب المانع« الإيضاح» لمتن إيساغوجى للعلامة القاضى محمد شاكر، وكتاب «العباب» شرح الشمسية لفضيلة الشيخ محمد شمس الدين، رحم الله الجميع .

وفى علم آداب البحث والمناظرة، ناهيك بكتاب شيخ مشايخنا محى الدين عبدالحميد، وكتاب «الموجز» للعلامة الشيخ حسين والي، رحم الله الجميع .

وفى علم أصول التفسير أو ما يسمى بعلوم القرآن فلا يذكر هذا الفن إلا وذكر كتاب «مناهل العرفان» للعلامة محمد عبدالعظيم الزرقاني، لأنه لم يتجه أحد بعد ابن عقيلة لتحرير مسائل الفن، فانتصب سماحته لهذه المهمة، وقام بها خير قيام، وهو كتاب اتصل سماعه إلى الآن، وكذلك الكتاب العجاب «التفسير والمفسرون» للعلامة محمد حسين الذهبي، الذى سلك لجة لم يسلكها أحد قبله، وفتح الباب بهذا الفعل لمن جاء بعده، وكذلك مكتوبات العلامة الشيخ محمد أبو شهبة، فهى خير دليل لمن يريد أن يغوص فى مباحث هذا الفن .

وفى علم مصطلح الحديث، وهو من فنونهم المهمة، تنوعت كتاباتهم فى هذا المضمار، فمنها بل أجلها كتاب شيخ مشايخنا الشيخ محمد السماحى طيب الله ثراه «المنهج الحديث فى علوم الحديث»، فإنه عمد إلى المباحث المذكورة فى تدريب الراوي، وفتح المغيث، وحرر ما يحتاج منها إلى تحرير، وأبدع فيه غاية الإبداع، ولكن اخترمته المنية قبل إتمامه، ففقدت الأمة بموته عالما، ومنهجا، وكذلك كتاب «الوسيط» للعلامة المتفنن الشيخ محمد أبو شهبة، رحمه الله تعالى رحمة واسعة .

وفى علم أصول الفقه ، وهو الميزان  القائم فى رجال الأزهر ، فقد صاغووا ذلك فى شريف ممكتوباتهم ، من ذلك الكتاب « الموجز للعلامة عبد الوهاب خلاف ، والذى يعتبر من اعظم لبنات هذا الفن ، واكذلك كتاب « أصول الفقه  للعلامة عبد الجليل القرنشاوى  وآخخرين ، وكذلك مكتوبات العلامة الهمام أحمد فهمى أبو سنة ، رحم الله الجميع.«

وفى علم العقيدة كانوا ومازالوا خير سدنة لهذا الفن تجاه العواصف التى كانت تهب من هنا وهناك، فكتاب «التحقيق التام فى علم الكلام» للعلامة محمد الأحمدى الظواهري، شيخ الجامع الأزهر، وكذلك كتاب «خلاصة مايرام من فن علم الكلام» للعلامة محمد بن أبى عليان الشافعي، وكذلك كتاب «الجانب الإلهى فى فكر الإمام الغزالي» للدكتور طه الدسوقي، حفظه الله .

وفى علم الحديث، ما كتبه العلامة موسى شاهين لاشين، من شرح موسع على صحيح مسلم. وفى علم الفقه فقد تنوعت خدمتهم لهذا الفن، لتعدد مشاربه .

وفى علم التفسير ما قام به شيخ مشايخنا العلامة محمد متولى الشعراوى من تقريب مسائل كتاب الله تعالى للعامة خير تجديد فى هذا الباب .

وفى التصوف شرح الشيخ عبدالمجيد الشرنوبى على «الحكم»، خير وسيلة لمن اراد فهم هذا الكتاب والعمل بما ينادى به،،،وغير ذلك :

و لأ قبضن عنان قولى هاهنا حسبى وفى تعدادهم لم أطمع

وليعلم الناظرأنى فيما نسقته سابقا، لم أطمح إلى الاستقصاء، وهو مطلب صعب، ولكن لكى أعطى فكرة لمن يريد أن يسير على نهجهم، ويرتسم خطاهم .


"

 
 
 
  المزيد من المقالات لنفس الكاتب