"تصحيح المناهج الدراسية فى الغرب ""2 "" "تصحيح المناهج الدراسية فى الغرب ""2 ""
د فوزية العشماوى
"أستاذ ورئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة جنيف
"
ومن هنا تنبع أهمية قضية المناهج الدراسية فهى السبيل الأول للتغيير، تغيير ثقافة وحضارة شعوب بأكملها وتلقينها افكارا ومفاهيم جديدة حسبما يتراءى للمسؤولين عن التربية والتعليم فى كل دولة. ان المتعمق فى دراسة الكتب المدرسية التى يتم تدريسها فى المدارس الابتدائية فى كل دولة يجد فيها بذور ثقافة وحضارة وسياسة تلك الدول التى تريد ان تغرسها فى نفوس وعقول اطفالها. ومن الطبيعى والبديهى ان تركز دول العالم الاسلامى فى مناهجها الدراسية على الاصول الثابتة فى الفكر الاسلامى وليس على كتب مادة التربية الاسلامية فقط ولكن فى كتب المطالعة والمحفوظات واللغة العربية والتاريخ ايضا، كذلك نجد ان هذه المناهج تهتم ايضا بتاريخ العرب وتاريخ المسلمين فى العصور المختلفة وتذكر علماء العرب وتاريخهم وحضارتهم المزدهرة فى الاندلس واختراعاتهم التى ارتكزت عليها النهضة الاوروبية الحديثة فى بداية القرن الخامس عشر الميلادي. والمناهج الدراسية فى دول العالم الاسلامى تعطى أهمية كبيرة لتاريخ وحضارات العالم، خاصة للحضارة الاوروبية إلى جانب الحضارات الاخرى فى العالم مثل الحضارات الهندية والصينية واليابانية والمكسيكية والافريقية. اما المتعمق فى دراسة الكتب المدرسية التى يتم تدريسها فى المدارس الاوروبية او الامريكية فإنه يصطدم بظاهرة اغفال الحضارات الاخرى فى العالم، حيث يلاحظ من الوهلة الاولى ان هذه الكتب المدرسية الاوروبية والامريكية لا تعرض ما جرى من احداث تاريخية مهمة فى دول الجنوب وعلى الأخص فى دول العالم الاسلامى او فى افريقيا وآسيا ولا حتى فى الصين واليابان والهند لأن الاهتمام كله منصب على اوروبا وتاريخها القديم والحديث وعلى امريكا منذ وطأت قدما كريستوف كولمبس ارضها، وكأنما كانت تلك القارة التى اطلقوا عليها القارة الجديدة، غير موجودة من قبل اكتشافهم لها رغم انها قارة قديمة مثلها مثل بقية القارات الاربع الاخرى وكانت موجودة وعامرة بالسكان من الهنود الحمر ولكنها جديدة بالنسبة للاوروبيين فقط، واغفال تاريخ الآخر والحضارات الاخرى مغالطة تاريخية كبيرة ونوع من انواع الانكفاء الجماعى على العرقية المعروف علميا بـ Ethnocentrism ، كذلك نلاحظ ان المناهج الدراسية فى الغرب لا تذكر عن العرب والمسلمين الا بعض الاحداث التاريخية التى تبرز تفوق اوروبا او انتصارها على المسلمين. ولعل اكثر الامثلة دلالة على ظاهرة الاغفال المتعمد هو اغفال المناهج الدراسية فى الغرب الاعتراف بفضل الفلاسفة والعلماء العرب المسلمين على النهضة الاوروبية فى القرن الخامس عشر الميلادي. وهذا اجحاف وانكار لحقيقة تاريخية ثابتة فى المعاجم والموسوعات العلمية الكبرى فى العالم، فلماذا لا يتم ادراجها فى المناهج الدراسية فى الغرب ولماذا لا نكاد نجد اسما واحدا من كل هذه الاسماء اللامعة البراقة التى اضاءت باكتشافاتها العلمية تاريخ ومسار الحياة على الكرة الارضية من امثال ابن رشد والبيرونى وجابر بن حيان وابن المقفع والخوارزمى وابن سينا وابن النفيس والطوسى وابن الهيثم وغيرهم الذين يرجع اليهم كثير من الاختراعات والاكتشافات والنظريات التى ترتكز عليها العلوم الحديثة فى العالم؟
فلماذا لا تكون الدعوة لتطوير المناهج الدراسية دعوة عالمية ذات شطرين فكما يطالب الغرب الدول العربية والاسلامية بتطوير مناهجها الدراسية يجب بالمقابل ان تطالب الدول العربية والاسلامية الدول الاوروبية والامريكية بتعديل مناهجها الدراسية وتصحيح المعلومات المغلوطة التى تحتويها هذه المناهج وادراج معلومات صحيحة ومناسبة وليست مشوهة ولا منفرة عن الاسلام وعن العرب والمسلمين؟ وأول هذه المطالبات هو الاعتراف بفضل العلماء العرب الذين أرسوا أسس العلوم الحديثة فى العالم حتى يعرف التلاميذ الاوروبيون والامريكيون من هم العرب المسلمون وماذا قدموا للحضارة العالمية. فليس من المعقول ان نظل صامتين امام هذه المغالطات التاريخية الفجة ونحن نستهل القرن الواحد والعشرين ولا نستطيع ان نصحح التاريخ المليء بالاكاذيب والافتراءات، فإلى متى ستظل اختراعات واكتشافات علماء العرب والمسلمين تنسب إلى العلماء الاوروبيين الذين استولوا على اختراعات العلماء العرب ونسبوها لانفسهم بعد سقوط دولة المسلمين فى الاندلس بسقوط غرناطة فتم الاستيلاء على أسس العلوم مثلما تم الاستيلاء على الأراضى والبلاد .


duloxetin absetzen duloxetin indikation duloxetin hexal
 
 
 
  المزيد من المقالات لنفس الكاتب