شَقَائِقُ الرِّجَال .. المرأةُ.. ودعم مسيرة التَّطوير
فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب
شيخ الأزهر - رئيس مجلس إدارة الرابطة
 
   
     
 
المرأةُ فى شريعةِ الإسلامِ شريكةُ الرَّجلِ فى الحُقوقِ والواجباتِ، فالإسلامُ هو أوَّل نظامٍ فى العالمِ حرَّر المرأةَ مِن كافَّةِ الأغلالِ والقُيودِ الظَّالمةِ الَّتى كانتْ عليها، وذلكَ لأنَّ ظلمَ المرأةِ وتهميشَ دَوْرِها كانَ جُزءًا مِن طبيعةِ النِّظامِ الاجتماعى قبلَ الإسلامِ، فَجاء الإسلامُ ليَقفَ بجوارِ المرأةِ: أمًّا وأختًا وبنتًا وزوجةً، ويَضْمَنَ لها جميعَ حُقوقِها.

ولهذَا؛ فإنَّه مِن الخطأ النَّظر إلى أنَّ بعضَ ما تُعانيه المرأةُ الشرقيَّة من تهميشٍ إنَّما هو بسبب تعاليمِ الإسلام، فهذا زَعْمٌ باطلٌ، والصحيح أنَّ هذه المعاناةَ إنَّما لحقتْها بسبب مخالفةِ تعاليمِ الإسلام الخاصَّة بالمرأة، وإيثار تقاليدَ عتيقةٍ وأعرافٍ باليةٍ لا عَلاقةَ لها بالإسلام، وتقديم هذه التقاليدِ على الأحكام المتعلِّقة بالمرأة فى الشريعةِ الإسلاميَّة، فالمرأة المسلمةُ عانَتْ بسبب كثيرٍ من القُيود خارجَ إطار الشريعةِ الإسلاميَّة، وهو ما أدَّى إلى ظُهور العديد مِن المشكلات؛ مثل العُنوسة والحرمانِ من الميراثِ وغيرها، بل إنَّ المجتمعَ المسلمَ فَقَدَ كثيرًا مِن طاقاتِه المبدعةِ حين سَمَحْنا –نحنُ المسلمينَ- بتهميش دَور المرأة وإقصائِها عَن مواقعِ التَّأثيرِ فى مجتمعاتِنا.

ومِن جانبى فإنَّنى لا أعرفُ موضوعًا آخرَ استنزفَ من عقولِ العُلَمَاء والمُفكِّرين والباحثينَ والباحثاتِ، منذ مَطْلَعِ القَرن الماضى حتَّى يومِنا هذا، ما استنزفه موضوعُ المرأةِ.. وفى مكتبتنا العربيَّةِ والإسلاميَّة المعاصرةِ آلافُ الكتبِ والأبحاثِ والمؤتمراتِ والنَّدواتِ الَّتى تناولتْ موضوعَ المرأةِ وقَتلَتْهُ بحثًا ودراسةً ومقترحًا، ورغم ذلك يظلُّ هذا الموضوعُ وكأنه لم يَمْسَسْه فِكْرٌ ولا قَلَمٌ من قبلُ..

والَّذى يَبدُو لى -بعدَ طُولِ نَظَرٍ- فى هذه القضيةِ أنَّه يُمكِنُ النَّظر إليها من زوايا ثلاثٍ:

الزَّاويةُ الأُولى: زاوية الإسلام الَّذى أنصفَ المرأةَ المسلمةَ وحرَّرها مِن الأغلالِ والقُيود التى كبَّلتْها بها حضاراتٌ معاصرةٌ لظهور الإسلام، وفى مُقدِّمتها: حضارةُ اليونان مُمثَّلَةً فى قطبيها الكبيرين: أفلاطون وأرسطو، وشريعة الرومان، وأديان الهند، وكتب مقدَّسةٌ حمَّلَتِ المرأةَ وحدَها مسؤوليَّةَ الخطيئةِ الأولى، والجاهليَّةِ العربيَّة الَّتِى صادرتْ على المرأة حقَّ الحياةِ، وحقَّ التعلُّم، وحقَّ التملُّك، وحقَّ الميراث، إلى آخره..

ولكن أقولُ: إنَّه فى هذا الجوِّ الخانِقِ للمَرأةِ ظهرَ الإسلامُ وكانَتْ له كلمتُه الحاسمةُ، ولو أَنَّه صَمَتَ فى ذلكم الوقتِ عن مظالمِ المرأة واستذلالِها ما توجَّه إليه عَتْبٌ ولا لَوْمٌ، فقد كانت الدُّنيا بأسرِها ضِدَّ المَرأة وَضِدَّ حقوقها وضِدَّ كرامتها كإنسانٍ، لكنه لم يلبَث أنْ صَدَعَ فى النَّاس بقولهِ تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾{2/228}، ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ﴾{2/231}، وكان آخر كلماته ﷺ: «النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَال» ، وأوقفَ وإلى الأبد وَأْدَ البنات، وملَّكها حقوقًا سبقتْ بها نظيراتها فى العالم بأربعةَ عشرَ قرنًا من الزمان.. ملَّكها حقَّ الإرث وحقَّ التعليم وحقَّ اختيار الزوج، وجعل لها ذمةً ماليةً مستقلةً عن زوجها، تتصرَّفُ فيها تصرُّفَ المالك فى مِلكه الخالص مع الاحتفاظ باسم عائلتِها حتَّى لا تذوبَ شخصيتُها فى شخصيةِ شريكِها، وساوى بينها وبينَ الرَّجل فى التكاليفِ وتحمُّل المسؤوليةِ.

ومعلومٌ أنَّ هذه الحقوقَ لا بُدَّ أنْ تصنعَ من المرأةِ عنصرًا مبدعًا فى المجتمع لا يقلُّ شأنًا عن الرَّجُل إنْ لم تَزِدْ عليه، وقد صَحَّ أنَّهُ ﷺ قالَ: «...فَلَوْ كُنْتُ مُفَضِّلا أَحَدًا لَفَضَّلْتُ النِّسَاءَ على الرِّجَال»، وهذا التَّفضيلُ ليسَ مِن بابِ جَبْرِ الخاطرِ لضعيفٍ مهضومِ الحقِّ، وإنَّما هو لفتٌ للأنظارِ إلى ميزاتٍ وخصائصَ تتفوَّقُ فيها النِّساءُ وقد يَفْضُلْنَ بها الرَّجال.

أمَّا الزاويةُ الثَّانية: فهى الزاويةُ التى تأثَّرتْ بالعاداتِ والتقاليدِ أكثر مِمَّا تأثَّرت بأحكام القُرآن والسُّنَّة والنصوصِ الصريحة الَّتى ترفعُ من شأن المرأة ومِن قدرها العلمى والاجتماعى والإنسانىِّ، وهذه الزاويةُ أو هذا المذهبُ كادَ يعودُ بالمرأة فى كثيرٍ من مظاهرِ حياتها إلى ما كانتْ عليه قبلَ نزولِ القرآن، فصادرَ عليها كثيرًا من حقوقِها التى كفَلَها الإسلامُ للمرأة، واستدعَى فى نظرتِه للمرأة فقهًا غريبًا ضربَ عليها حصارًا من العُزلة والغُربة، حتَّى كادتْ تَألفُ غُربتَها وعُزلتَها، وما جاء الإسلامُ إلَّا ليحرِّرَ المرأةَ مِن هذا الحصارِ، ويُلقِى بها فى قلب المجتمع لتتحمَّلَ مسؤوليَّاتها فى إعمارهِ وتنميتِه وتقدُّمِه.

أمَّا الزاويةُ الثَّالثة: فهى زاويةُ الحداثةِ الغَربيَّة المرتبطةِ بمفاهيمَ خاصَّةٍ وفلسفاتٍ جديدةٍ تنكَّرتْ لكثيرٍ من القيم الثَّابتةِ فى تاريخِ هذهِ المجتمعاتِ وعقائدِها، وأُبَادرُ بالقول –فى عبارةٍ موجزةٍ- إِنَّنى أُفرِّقُ تفرقةً حاسمةً بين الحداثةِ بكلِّ محاذيرها، والتحديثِ الَّذى هو تفاعلٌ واجتهادٌ وتجديدٌ للتُّراثِ الدِّينى والأخلاقىِّ، والإفادةِ من كُنوزه؛ فالحداثةٌ بمفهومِها الغربى ليسَتْ هى الأُنموذجُ الأمثلُ الَّذى يستحقُّ تعميمَه وتسويقَه عالميًّا وعولميَّا.

وَهذا ما يدفعُنا إلى التَّساؤُل : هَل الحداثةُ هى البديلُ الأمثلُ لمجتمعٍ يَحفظ قِيَمَ الأُمُومة والأُسرة رغمَ ما يلحقُها باسم الدِّينِ من تجاوزاتٍ، أو أَنْ نَقبلَ هذا الواقعَ ونحاول تغييرَهُ وتجديدَه انطلاقًا من هُويَّاتنا المختلفة وثقافاتنا المتعدَّدة؛ لأنَّ البديلَ الآخَرَ وبكلِّ تأكيدٍ هو الدَّمارُ والكارثةُ بالمعنيين: المادِّى والمعنوىِّ.

إنَّ العالمَ العربى  والإسلامى الآنَ، وأكثر من أى وقتٍ مضى، فى أمَسِّ الحاجةِ لإعلاءِ مكانةِ المرأة ودورِها فى دَعمِ مسيرة التَّطوير وتنميةِ المجتمعات، لا سيِّما فى  ظلِّ التحديات الرَّاهنة الَّتى تشهدُها مجتمعاتُنا العربيَّةُ والإسلاميَّة، وهُو ما يتطلَّب التأكيد على أهميَّة تعظيم دَور المرأة، وتكريمها، وإنصافها، واستغلالِ طاقاتها المُهدرة، واحترام حقوقِها التى كفَلَها الإسلام.

 
     
  المزيد من المقالات لنفس الكاتب