تشريح العقل التكفيري
 
 
‏1ـ العقل التكفيري عقل سطحي: فكل خلاف بينه وبين الآخرين هو خلاف عقيدة.‏
‏2ـ العقل التكفيري عقل متغطرس: فهو ينتمي لمن قال رسول الله ﷺ عنهم، ‏‏«من قال هلك الناس فهو أهلكهم».‏
‏3ـ عقل يسعى للخراب والدمار: ‏
في كل يوم تنشر الصحف عن تفجير محطة محولات، أو ضبط مجموعة تحاول ‏تفجيرها، إما بالمتفجرات أو بأنابيب البوتجاز المشتعلة. ‏
الغريب أن أحد المتهمين يعمل إمامًا وخطيبًا بالأوقاف، وهناك متهم آخر يعمل ‏ناظرًا لإحدى المدارس، وثالث يعمل مدرسًا، وهناك آخرون تخرجوا من كليات ‏عريقة مثل الهندسة والعلوم وغيرها. ‏
والسؤال الآن: كيف لإمام وخطيب يعظ الناس أن يقوم بمثل هذه الأفعال، ويريد ‏الشر والظلام لبني وطنه، وكيف يقوم بذلك مدرس وناظر مدرسة ومهندس، دون أن ‏يفكر أحدهم للحظة في حِلِّ ذلك أو حرمته؟ ‏
ألم يسأل هؤلاء أنفسهم عن حكم هذه الأفعال، وهل تفيد الإسلام أم تضره؟ وهل تفيد ‏قضيتهم أم تسيء إليها؟ ‏
لقد عجبت من هؤلاء الذين اخترعوا وابتدعوا فكرة تفجير وتدمير كابلات ومحولات ‏الكهرباء التي تنير آلاف البيوت والمصانع والمستشفيات والمحلات والعيادات، لأن ‏هذه الفكرة ببساطة تصطدم بأصول الإسلام وقواعده وثوابته، فالكهرباء من أسباب ‏الحياة وقطعها من أسباب قطع الحياة. وهل جاء الإسلام بالأحياء أم بقطع أسباب ‏الحياة؟!‏
ألم ينه الرسول ﷺ عن الضرر والضرار، في حديثه الرائع الجامع المانع: «لا ‏ضرر ولا ضرار»؟! ألم ينه الرسول ﷺ جيوشه التي تحارب الأعداء عن تدمير ‏كل ما هو نافع للناس جميعًا فقال: «لا تقطعوا شجرة ولا نخلة». ‏
وكيف يأمر الإسلام أتباعه بقطع النور والضياء عن الناس، والإسلام في صفته ‏وفلسفته الأساسية هو نور وضياء للناس، نور معنوي، ونور حسي. ‏
ومن الذي شرع أن يبقى الناس في الظلام، ويفرح لذلك ويسعد؟ إن الجريمة الكبرى ‏تكمن في استحلال ذلك والفرح به والسعادة بتحقيق التفجير على أكمل وجه، ‏والفرحة بغيظ الناس من انقطاع الكهرباء، وحنقهم على الحكومة. ‏
فالذي يفرق بين هؤلاء والجنائي العادي الذي قد يسرق كابلات التليفون أو الكهرباء ‏أو قطع غيار السكك الحديدية، أنه يفعل ذلك وهو يدرك حرمته ويخجل منه، أما ‏الذي يستحل تفجير الكابلات أو خطوط الكهرباء ويعتبرها من الإسلام والدين لهو ‏أكبر جرمًا وأعظم إثمًا، لأن استحلال الذنب أعظم من الذنب، والتكبير والتهليل ‏بتحقيق التفجير وانقطاع الكهرباء أعظم مصيبة.‏
إن الدم لا يولد إلا الدم، والعنف لا يولد إلا العنف، والقتل لا يولد إلا القتل، ‏والكراهية تولد الكراهية، والشتائم والسباب يولد الأحقاد، والإقصاء المتبادل يولد ‏تربصا. ﴿من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا﴾. ‏
فعلى الحركة الإسلامية أن تقطع هذه المتوالية الدموية، قبل أن تقطعها وتمزقها ‏وتأتي على آخر فرد فيها، إما سجنا أو هروبا أو قتلاً أو إعداما أو تصفية. ‏
ولنذهب جميعًا إلى «متوالية الحب» التي غزا بها عيسى عليه السلام الكون كله حتى ‏بلغ المنتهى في الإحسان هاتفًا: «أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم».‏
لقد كانت الكنيسة المصرية ذكية حينما قال قادتها عند حرق الكنائس بعد فض ‏اعتصام رابعة: «نحن نصلي من أجل الذين حرقوا كنائسنا». ‏
ولو أنهم وقتها قالوا: «سنحرق من حرقها وندمر من دمرها... ونقتل من آذانا»؛ ‏لدخلوا في دوائر الثأر والانتقام والكراهية ومعارك عبثية لا تنتهي. ‏