"من وحي الهجرة النبوية : الهجرة إلى مصر الجديدة
الأستاذ الدكتور محمد عبد اللطيف
وكيل كلية القرآن الكريم بجامعة الأزهر
 
   
     
  "
خلال الأيام الماضية قرأت تقريبًا كل ما ورد في كتب السيرة القديمة والحديثة حول الهجرة النبوية إلى المدينة ، وقد استوقفني أمران :
الأمر الأول : أن الرسول كان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بوطنه الأم مكة ، هذا الوطن الذي ولد فيه ، وعلى أرضه نشأ وترعرع ، يعبر عن ذلك قوله  يخاطبها وهو على مشارفها ليلة الهجرة : عَلِمْتُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ ، وَأَحَبُّ الأَرْضِ إلى اللَّهِ ، وأنت أحب البلاد إلي ، وَلَوْلاَ أَنَّ أَهْلَكِ أخرجوني مِنْكِ ما خَرَجْتُ . فقوله  : وَلَوْلاَ أَنَّ أَهْلَكِ أخرجوني مِنْكِ ما خَرَجْتُ فيه دلالة على شدة استمساكه بوطنه وولائه له ، وتأكيد على أنه رغم صنوف الأذى التي نالها في هذا الوطن فإنه  لم يكن ليخرج منه لولا أن أهله قد أخرجوه .
وقد سألت أحد زملائي : هل يحب المصريون وطنهم ؟ فأجابني : بالطبع نعم ، ألا ترى هذا الكم الهائل من الأغنيات الوطنية التي تمتلئ بها الشاشات والإذاعات ، ألم تر هيستريا المصريين في الشوارع في كل مرة فازت فيها مصر ببطولة الأمم الأفريقية . قلت له : إن مؤشر حب المصريين والعرب وولائهم الحقيقي لأوطانهم يكشفه تقرير أعدّته جامعة الدول العربية وقد جاء فيه أن أربعة وخمسين في المائة من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلادهم بعد انتهاء دراستهم ، بينما يعود أكثر من تسعين في المائة من الطلاب الصينيين إلى بلدهم بعد انتهاء دراستهم في هذه الدول ، والأطباء العرب يمثِّـلون أربعة وثلاثين في المائة من إجمالي عدد الأطباء في بريطانيا ، وهناك أكثر من مليون خبير عربي يعملون في الدول المتقدمة فتُـسهِـم جهودهم في تقدّمها أكثر فأكثر ، بينما تعمِّـق هجرتهم من بلادهم تخلفها وضعفها ، وقد بلغت الخسائر التي مُنيت بها الدول العربية بسبب هجرة العقول والكفاءات في سبعينيات القرن الماضي أحد عشر مليار دولار ، ويقدّر الخبراء تلك الأضرار اليوم بأكثر من مائتي مليار دولار ، ويقول التقرير : إن مصر هي أكثر الدول العربية فقداً للكفاءات ، وهي البلد العربي الأكبر في هجرة الكفاءات والعقول ، وتتجلّى خطورة هذا الوضع في كون هؤلاء المهاجرين يعملون في أهمّ العلوم الاستراتيجية مثل الطب النووي والفيزياء والهندسة النووية والهندسة الوراثية والهندسة الإلكترونية والجراحات الدقيقة والعلاج بالإشعاع وعلوم الّليزر وتكنولوجيا الأنسجة وعلوم الفضاء . 
قال زميلي : إن سبب هجرة الكفاءات هو ما تتعرض له في بلادنا العربية من غبن ، حيث لا تتحصل على الرواتب المجزية ، ولا تتولى المناصب المناسبة ؛ لأن المنصب عندنا يعطى للمعارف ولأهل الثقة ، وليس لأهل الكفاءة ، ثم إن من يحظى بالتقدير الاجتماعي في البلدان العربية هو صاحب المال أو صاحب المنصب وليس العالم أو الباحث . 
قلت لزميلي : وهل ترى أن هذا يعد سببًا كافيًا كي تترك هذه العقول بلادها وتهاجر لتسهم في زيادة تقدم الدول المتقدمة ، بينما تبقى بلادنا في قبضة المستبدين ، والجهلة والنفعيين ، وأصحاب المصالح الذاتية أو الحزبية الضيقة ؟ قال : نعم . قلت له : إن الرسول  في مخاطبته لمكة ليلة الهجرة : ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت يقول بخلاف ما تقول أنت .. رسول الله  يعلن أنه يفعل خلاف ما تفعل هذه الكفاءات ، رغم أنه قد تعرض لصنوف هائلة من الأذى والاضطهاد ، فقد تم سبه وشتمه ، وألقي التراب على رأسه ، وقذف بالحجارة حتى سال دمه ، ووضعت أمعاء الإبل العفنة على جسده ، وحوصر مع أصحابه حتى أكلوا ورق الشجر ، ومع ذلك كله فإنه يقول لبلده مكة : ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت .
الأمر الثاني : أن الرسول  قد ارتبط بوطنه الثاني مقر الدولة الإسلامية التي أسسها ارتباطًا وثيقًا ، ولهذا دفع الناس للعيش في هذا الوطن ، وبرر ذلك في قوله : إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانًا ودارًا تأمنون بها . فخرجوا أرسالاً ، وقد دعا  لها فقال : اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة ،  وكان الناس إذا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جاؤوا بِهِ إلى النبي  فإذا أَخَذَهُ قال : اللهم بَارِكْ لنا في ثَمَرِنَا ، وَبَارِكْ لنا في مَدِينَتِنَا ، اللهم إن إبراهيم عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ ما دَعَاكَ لِمَكَّةَ ، وَمِثْلِهِ معه . 
لقد كان  رجلاً أصيلاً بمنطق المصريين ، كان رجلاً يعترف بالجميل للبلد الذي وفرت له الأمان والاستقرار ، لقد قال أهل المدينة له عندما بايعوه وهو في مكة : والذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ منه أُزُرَنَا ، فَبَايِعْنَا يا رَسُولَ اللَّهِ  فَنَحْنُ أَهْلُ الحرب وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ ، وَرِثْنَاهَا كَابِراً عن كَابِرٍ ، فاعترض أبو الْهَيْثَمِ بن التَّيِّهَانِ فقال : يا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ عَسَيْتَ إن نَحْنُ فَعَلْنَا ذلك ثُمَّ أَظْهَرَكَ الله أَنْ تَرْجِعَ إلى قَوْمِكَ وتدعنا ، فَتَبَسَّمَ رسول اللَّهِ   ثُمَّ قال : بَلِ الدَّمَ الدَّمَ ، والهدمَ الهدمَ ، أنا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مني ، أُحَارِبُ من حَارَبْتُمْ ، وَأُسَالِمُ من سَالَمْتُمْ .
وهاجر  مع أصحابه إلى الوطن الجديد ،  وانصهر بالمهاجرين في الوطن الجديد ، ونسي الجميع معه مصالحهم الذاتية ، وصار بناء هذا الوطن والنهوض به هو هدف الجميع .. لقد علموا أن بناء الأوطان يحتاج إلى كد وتعب ويتطلب تحمل الآلام وتقديم التضحيات ، إذ لا يمكن أن يُبنى وطن وكل فرد فيه لا يفكر إلا في انتهاب أكبر قدر من المال .. لا يمكن أن يُبنى وطن وكل فئة فيه تعتصم وتتظاهر من أجل مطلبها الفئوي المحدود الذي لا تتحمل ظروف البلد تحقيقه .. لا يمكن أن يُبنى وطن بتعطيل المدارس ، ووقف الإنتاج ، وقطع الطرق ، وسرقة الكهرباء والدقيق والغاز والمواد البترولية .. الأوطان تُبنى بالعمل وبالإنتاج وبالتضحيات .. الأوطان تنهض بالتوحد وبالتلاحم وبالإيثار ، وكلنا يعلم أن دولة الإسلام في المدينة قد قامت بهذا ، فعن أَنَسٍ رضي الله عنه قال : قَدِمَ عبد الرحمن بن عَوْفٍ الْمَدِينَةَ فَآخَى النبي  بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بن الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ فَعَرَضَ عليه سعد أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ ، فقال عبد الرحمن : بَارَكَ الله لك في أَهْلِكَ وَمَالِكَ ، ما لهذا أسلمت ؛ دُلَّنِي على السُّوقِ ، فذهب وباع واشترى وربح وصار من كبار رجال الأعمال ، ولم يكن ربحه من نهب ثروات وطنه أو المتاجرة في أقوات الناس ومتطلبات حياتهم ، ولكنه كان ربحًا حلالاً ، حتى قدمت له سبعمائة راحلة تحمل البر والدقيق والطعام ، فلما دخلت سمع لأهل المدينة رجة ، فبلغ عائشة فقالت : سمعت رسول الله   يقول : عبد الرحمن بن عوف لا يدخل الجنة إلا حبوًا ، فلما بلغه قال : إني أشهدك أنها بأحمالها وأحلاسها في سبيل الله تعالى .. ولما حضرته الوفاة أوصى لكل رجل ممن بقي من أهل بدر بأربعمائة دينار ، وكانوا مائة ، فأخذوها ، وقال علي : اذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها وسبقت زيفها ، وأوصى لكل امرأة من أمهات المؤمنين بمبلغ كثير حتى كانت عائشة تقول : سقاه الله من السلسبيل ، وأعتق خلقًا من مماليكه ، ثم ترك بعد ذلك كله مالاً جزيلاً ، من ذلك : ذهب قطع بالفؤوس ، وترك ألف بعير ومائة فرس وثلاثة آلاف شاة ، وكان نساؤه أربعًا ؛ فصولحت إحداهن من ربع الثمن بثمانين ألفًا .. ولهذا قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء : هذا هو الغني الشاكر ، وأويس فقير صابر ، وأبو ذر زاهد عفيف ، وبمثل هذه الخامات تبنى الدول وتنهض الأمم .
إن والأثرة وطلب المكاسب الشخصية أو الفئوية داء يقضي على تماسك الدولة ، ولهذا حرص الرسول  على اقتلاع هذا الداء من نفوس كل الفئات في دولته ، فعن أبي سَعِيدٍ الخدري قال : لَمَّا أعطي رسول اللَّهِ   ما أعطي من تِلْكَ الْعَطَايَا في قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ ولم يَكُنْ في الأَنْصَارِ منها شيء وَجَدَ الأَنْصَارُ في أَنْفُسِهِمْ ، فَدَخَلَ عليه سَعْدُ بن عُبَادَةَ فقال : يا رَسُولَ اللَّهِ ، إن هذا الحي قد وَجَدُوا عَلَيْكَ في أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ في هذا الفيء الذي أَصَبْتَ ، قَسَمْتَ في قَوْمِكَ ، وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَاماً في قَبَائِلِ الْعَرَبِ ، ولم يكن في هذا الحي مِنَ الأَنْصَارِ شيء . قال  : فَأَيْنَ أنت من ذلك يا سَعْدُ ؟ قال : يا رَسُولَ اللَّهِ ، ما أنا الا امْرُؤٌ من قومي ، وما أنا ؟ قال : فَاجْمَعْ لي قَوْمَكَ . فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ الناس ، فلما اجْتَمَعُوا أَتَاهُمْ رسول اللَّهِ   فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عليه بالذي هو له أَهْلٌ ثُمَّ قال : يا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ ، مقالة بلغتني عَنْكُمْ ، وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا في أَنْفُسِكُمْ ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلاَّلاً فَهَدَاكُمُ الله ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ الله ، وأعداء فَأَلَّفَ الله بين قُلُوبِكُمْ ؟ قالوا : بَلِ الله وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ . قال : أَلاَ تجيبونني يا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ ؟ قالوا : وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ . قال  : أَمَا والله لو شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ : أَتَيْتَنَا مُكَذَّباً فَصَدَّقْنَاكَ ، وَمَخْذُولاً فَنَصَرْنَاكَ ، وَطَرِيداً فَآوَيْنَاكَ ، وَعَائِلاً فأغنيناك ، أَوَجَدْتُمْ في أَنْفُسِكُم يا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ في لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بها قَوْماً لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إلى إِسْلاَمِكُمْ ، أَفَلاَ تَرْضَوْنَ يا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أن يَذْهَبَ الناس بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ  في رِحَالِكُمْ ، فو الذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيده لَوْلاَ الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امرأ مِنَ الأَنْصَارِ ، وَلَوْ سَلَكَ الناس شِعْباً ، وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْباً لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ ، اللهم ارْحَمِ الأَنْصَارَ ، وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ . فَبَكَى الْقَوْمُ حتى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ ، وَقَالُوا : رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْماً وَحَظًّا . ولاشك أن مصر لن تبنى إلا بمثل هذه النوعية من البشر التي يعلو الدين في نفوسها على الدنيا .
لقد كان لرسول الله  وطنان ، وطن فيه نشأ وترعرع وقاوم كل مظاهر الانحراف ، وناله في هذا السبيل ما ناله من صنوف الأذى والاضطهاد ، فظل رغم ذلك كله على حبه لوطنه ، ورغبته في إصلاح شأن مواطنيه ، ورفض إثارة القلاقل بين أهله ، وكان يقول : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ، وخرج من بينهم رغم إرادته ، فلم يلعن وطنه ، ولم يستهدف تدميره ،  خرج  من بلده دون أن يحدث فوضى أمنية ، ودون أن يتسبب في مقتل وإصابة الآلاف .. خرج  وهو يعلن أن وطنه أحب إليه من كل البلاد ، ثم كان ارتباطه بوطنه الجديد وبدولته المدنية ارتباطا يفوق الوصف ، لقد تمنى أن يكون في وطنه الجديد ضعف ما كان في وطنه السابق من البركة ، ونسي جميع أصحابه مصالحهم الذاتية ، وصارت نهضة الوطن الجديد هدف الجميع . 
والشعب المصري في هذه المرحلة يهاجر إلى مصر الجديدة .. مصر المدنية ذات المرجعية الإسلامية .. مصر الحرية والعدالة الاجتماعية .. مصر الأخلاق النبيلة والحياة الكريمة .. مصر التي يعتبر الحاكم فيها نفسه خادما للشعب .. مصر التي يتحصل الطلاب فيها على التعليم في المدارس وليس في الدروس الخصوصية .. مصر التي يتحصل المريض فيها على الرعاية الصحية في المستشفيات وليس في العيادات الخاصة .. مصر النظيفة التي يحترم فيها القانون وتختفي فيها البلطجة .. مصر التي يهاجر إليها المصريون لا يمكن بناؤها إلا باقتفاء أثر النبي  في بنائه لدولة المدينة ، ولا يمكن بناؤها إلا باقتفاء أثر الصحابة الذين أسهموا معه  في بناء هذه الدولة ، ولن يبنيها وينهض بها إلا المصري الذي يحترم هويتها العربية الإسلامية .

 
     
  المزيد من المقالات لنفس الكاتب