بيان علماء الأزهر للرد على بيان ما يسمى بـ "الجبهة الإعلامية لنصرة الدولة الإسلامية"
 
   
 
 
 
آخر تحديث :    15 مايو, 2017 09:54:00 ص    
 
 
   
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد
إنه من أعجب العجب عدم الاعتبار بالفتن المحيطة بنا ومن حولنا، وكيف ضاعت أوطان بلا ذنب ارتكبته الأمم والشعوب، وأفظع شيء وأشنعه أن تكون الدعوة إلى إسالة الدماء واستباحة الأعراض وإخراج المسلمين بشكل جماعي من الملة، بل الأفظع من ذلك أن يدعى أن ذلك سبيل إلى الدعوة إلى الإسلام، وأين ذلك مما يدل عليه قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125]؟، وأين ذلك من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: 118، 119]، وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]؟.
إن استهلال البيان الضال المضل بعبارة "كيف نفتح مصر"؟ لاتهام صريح لأهل أرض الكنانة بالكفر والخروج من ملة الإسلام، وهو مدخل سفيه لاستباحة ما ذكره البيان من بعد ذلك، وجحد صارخ لما يجري في عموم بلادنا من رفع الأذان ملايين المرات والعناية بالقرآن والمساجد وغير ذلك من مظاهر التدين العام والحرص على إظهار الشعائر.
وإن ما ذكره البيان من بعد ذلك من خطوات إجرامية فاحشة تمهيدًا للفتح المزعوم لهو الباطل بعينه.
 ويا عجبا، كيف يستهدفون أمتنا الغالية بأعمال نكاية وإجهاد وتخريب وتدمير وترويع وإفساد في البلاد والعباد باسم الدين والجهاد بدلا من الإعمار والبناء والاستقرار والتنمية التي هي مقاصد نبيلة دينية ووطنية وإنسانية؟
لذا لزم الرد على ترتيب البيان الضال المضل المخالف للإسلام وشريعته جملة وتفصيلا صيانة لشباب الأمة وحماية للدماء والأرواح والأموال والأعراض في النقاط التالية:
أولا: نعم، إن مصرنا الغالبة هي قلب العالم الإسلامي والعربي النابض، وقد شاع ذكرها فى القرآن الكريم فعلى أرضها وقعت أحداث قصة موسي عليه السلام، وفي ربوعها تجول المسيح وأمه عليهما السلام، وتحت سمائها عاش يوسف وإبراهيم عليهما السلام، وفيها وبالتحديد في جنوب سيناء تلك البقعة الوحيدة التي تجلى الله فيها بنوره على البسيطة؛ فهي موضع اهتمام العالم منذ النشأة وعبر التاريخ، ولكَمْ تآمر عليها المتآمرون وكاد لها الكائدون، لكنها واجهت كل ذلك ونصرها الله؛ لطيب معدن أهلها، لتماسكها المجتمعي بين أفراد شعبها دون أن يمس وحدتها الوطنية اختلاف أديان ولا تنوع أفكار.
ولم يغب عن المصريين يوما من يتآمر عليهم، وقد أيقنوا أن سر النصر على مر التاريخ فى الاتحاد في مواجهة التآمر والمتآمرين.
وجيش مصر العظيم على مر التاريخ كان ولا يزال يحمي البلاد من كيد الأعداء، وكان ولا يزال في خدمة الوطن دوما، وكذلك الشرطة المصرية منذ نشأتها حتى يومنا هذا، أمَّنت الناس فى بيوتهم وصانت أعراضهم وأموالهم ودمائهم.
 ومسيحيو مصر استقبلوا المسلمين بكل ترحاب إذ جاء المسلمون يرفعون الظلم عنهم، وإعانتهم على استرداد كنائسهم وأموالهم وحرية عقيدتهم؛ لذا كانوا مخلصين في المشاركة في بناء الأوطان.
 وقد حرم الإسلام الاعتداء على دور عبادتهم، وصان لهم دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وحرمها كما صنع مع المسلمين أنفسهم وخير مثال على ذلك صنيع صحابة رسول الله عند الفتح.
ثانيا: إن الاعتداء على المال هدم لمقاصد الشريعة العليا، حتى لو لم يكن المال مال مسلم، وهل اقتربت يد الإسلام من قبل في البلاد المفتوحة من أموال الناس؟! أم أن سيرتهم دائما لا تقطعوا شجرًا ولا تحرقوا أرضًا؟ وهل احتفت شريعة من الشرائع كما احتفت شريعة الإسلام بالنيل ودجلة والفرات كما جاء فى السنة الصحيحة عن النيل المبارك الذي لن يقوى بشر-بإذن الله-على منع مائه وإن أقاموا ألف سد.
وإن التعاون على البر والتقوى قد دعا إليه القرآن الكريم، والدعوة للفرقة مؤثم مجرم بصريح القرآن الكريم.
ثالثا: الاستعانة بغير المسلمين في إدارة المشروعات لخبراتهم أمر أقرته شريعة الإسلام، ولكَمْ استعان سلفنا الصالح بغير المسلمين للتعاون والمشاركة، وما واقعة عبد الله بن أريقط دليل النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته عنا ببعيد.
رابعا: إن دماء البشر كلها معصومة كما قال تعالى في الآية العامة المطلقة: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32].
وأما عن القضاة الذين هم عنوان العدل في أرض الله، والذين لهم الأجر على اجتهادهم في إقامة العدل حتى ولو أخطاوا؛ فحقهم العون والتكريم لا أن تستباح دماؤهم ولا دماء غيرهم من جنودنا البواسل من الجيش والشرطة، كيف؟ وهم الملاذ عند الفتن على مدار التاريخ
فعن عمرو بن الحمق رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ستكون فتنة أسلم الناس فيها -أو قال: لَخَيْرُ الناس فيها الجند الغربي» قال ابن الحمق: فلذلك قدمت مصر، رواه البزار والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
خامسا: إن أفراد الجيش والشرطة أبناء الوطن لا يعملون لمصلحة أفراد، وإنه حينما يحمون الاقتصاد فهو لخير الوطن وأبنائه، وهم ليس جنودا مرتزقة حتى يُدَّعي أنهم ينهبون الثروات، إن هذا لمن التضليل؛ فلكم ضحي أبناء الوطن من جنوده بدمائهم في الحروب ومجابهة الاحتلال على مر التاريخ حماية للوطن وأهله وصيانة للمال والعرض بما يحفظ تحقيق مقاصد الشريعة الكلية، فكيف يستباح الاعتداء على هؤلاء؟!، سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم.
سادسا: مصر كلها وطن واحد، ومواطنوها جميعا لهم حق المواطنة، ولم يقاتل رسول الله صلي الله عليه وسلم يهود المدينة بتهمة أنهم يهود وإن قاتلهم فبجريمة الخيانة العظمى للوطن حيث ساعدوا أعداء الوطن على احتلاله، والذي يراجع التاريخ يعلم يقينا استحداث كثير من الكنائس بمصر بعد الفتح الإسلامي، ومسيحيو مصر يشارك أبناؤهم في الدفاع عن الوطن فى الجيش والشرطة، ولم يفرق القانون المصري فى التجنيد بين أبناء الوطن.
سابعا: إن دعوة الأعداء لمهاجمة الأوطان بدعوى إثارة المسلمين للجهاد خيانة عظمي للأديان والأوطان التي جعل الله حبها من الإيمان، وقراءة مشهد الاعتداء على الأمة في الواقع من حولنا علي أنَّ فيه خيرا أمر مضحك مبكٍ مخزٍ لا يصدر ممن له أدنى عقل؛ فلا ينكر عاقل أن الحروب شرور، وأن الأصل السلم، ألم يقل ربنا ﴿ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾  [البقرة: 208] ومعني هذا أن الحرب استثناء، وهل يمدح عاقل اليهود لاغتصابهم  أرض المسلمين بدعوي اثارة المسلمين ضدهم، وهل يمدح الأمريكان باحتلالهم أفغانستان والعراق بدعوي أنهم أثاروا حمية المسلمين للجهاد؟ إن هذا لشيء عجاب، وإن هذا الفكر الأعوج يجعل العدو حبيبا ويوجب علينا -ويا للعجب ـ  الإقرار بأنه نعمة، إذن فوجود اسرائيل  في هذه المنطقة – على زعمهم-نعمة كبري للمسلمين بدعوي أنه أثار النفوس، يا له من فكر أحال العدو صديقا والصديق عدوا، أعلى هذا المنطق يجب اعتذاركم لليهود عن الحربين لأنهم كانوا خيرا لبلاد المسلمين من حولهم؟ .
ثامنا: إن الحكم بالردة ليس شأن الأفراد، وإنما شأن ولي الأمر أومن ينيبه من قاض وغيره، على أساس جرأة من يحكم بردته على إنكار معلوم من الدين بالضرورة وإصراره عليه، والا صارت حياة الناس فوضي، وسالت الدماء دون انقطاع.
وشيوع الفاحشة فى مجتمع ما لا يمكن أن يكون أبدا سببا في الحكم بالردة أو تكفير مرتكب الفاحشة، فلقد ارتكب بعض المسلمين الفاحشة فى العهد النبوي، وطبق عليهم الحد بأمر الحاكم ولم يحكم عليهم بالكفر بذلك السبب.
وإنكم لتتناقضون مع أنفسكم: تَدْعون في موطن إلى اعتبار الاحتلال استنفارا للجهاد، ثم تَدْعون هنا الى قتل العلمانيين وتحريم الدراسة في جامعات العالم والإفادة من أفكارهم، فهلا اعتبرتم هذا تحفيزًا على الاجتهاد والجهاد الفكري والحضاري للقدرة الحضارية على تمييز الطيب من الخبيث.
تاسعا: إن حشد طاقات الشباب باخراج المسلمين عن الملة واستباحة أموالهم ونسائهم ـ بالخطف والتخريب والحرق ولقتل بدعوى أن ذلك هو السبيل لمرضاة الله عنهم لهو من السفه والإجرام المنصوص على تجريمه عقلا وطبعا وشرعا، ألم يحفظوا من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم حديث: «المسلم من سلم الناس من لسانه ويده » متفق عليه؟
فكيف يباح ما دعوا إليه؟
بل كيف يباح ترويع عامة الآمنين؟، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك كما جاء في الحديث الصحيح: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلما» رواه أبو داوود.
عاشرا: إن الدعوة إلى قتل الأفراد أو الجماعات واستخدام شتى الوسائل الدنيئة لذلك كتسميم المياه وغيرها من الوسائل المحرمة المجرمة، هي تحريض صريح على استباحة الدماء المعصومة، وجحود واضح لنصوص القرآن والسنة ولرسالة الإسلام بإعمار الأرض لا بتخريبها ولا بتدميرها، وهو من السعي للفساد الذي يستوجب كره الله لفاعله وغضبه عليه كما قال تعالى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205]، {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77].
وختاما، فإننا نخلص ـ مما سبق ـ إلى مايلي:
أن من الأمور القطعية ـ ثبوتا ودلالة ـ في  الشريعة الإسلامية الانطلاق من الرحمة بالعالمين، وهو أساس العقيدة والشريعة والأخلاق في الإسلام، وهذه هي القيمة العظمى في الرسالة المحمدية كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [الأنبياء: 107]، وأساس العلاقات بين المسلمين وغيرهم، وما جاء من آحاد النصوص كحديث:«بعثت بالسيف بين يدي الساعة» على ما في ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم من مقال في ضعفه، إِنَّما يفهم على مقتضى القطعيات، ومفاده وغيره مما في معناه أن أصل العلاقة بين الناس يجب أن يكون على أساس الرحمة والسلم، ولكن إذا احتيج إلى القوة عند بغي بعضهم أو اعتدائه فيكون استعمال القوة مسموحًا به حماية للسلم والحق والاستقرار والعمران، على أن يكون استعمال القوة "السيف" مقرونا بضوابط أخلاقية وإنسانية سلكها المسلمون عبر العصور.
أن مقاصد الشريعة الإسلامية وكلياتها آمرة بالمحافظة على الدماء والأنفس والأديان على اختلافها، والمحافظة على العقول بما يشمل الاجتهادات البشرية والتجارب الإنسانية في الشريعة وغيرها، والمحافظة على الأعراض بما يشمل كل كرامة إنسانية، والمحافظة على الأموال العامة والخاصة، و الشريعة تجعل إهدار ذلك وإفساده من كبريات الجرائم وكبائر الآثام.
أن من مقاصد الشريعة وأوامرها تحقيق الاستقرار والأمن والسلم للبلاد والعباد ويجب الإعانة والتعاون مع من يقوم بذلك محافظا على كيان الدولة وقوامها من قوات مسلحة أو شرطة أو مؤسسات قضائية أو دينية وكافة مؤسسات الدولة التي بها قيام النظام وحفظ الاستقرار، والشريعة تحرم وتجرم من يعتدي على الدولة ورموزها، أو أشخاص القائمين على أمنها وحمايتها أوقضاتها والقائمين على العدل فيها.
أن حرية الاعتقاد مكفولة، وأن الاختلاف الاعتقادي بين العباد باب للتنوع والتكامل، وأن أساس التعامل بين المواطنين هو عقد المواطنة الذي يمنح لمواطني الوطن الواحد نفس الحقوق والواجبات، وأن حماية المواطنين بعضهم لبعض واجبة سواء اتفقت أديانهم أم اختلفت وبهذا تحفظ الأديان والأوطان.
 
والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل